الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
81
تفسير روح البيان
من غير إزراء وعنف ومن غير تعصب وخصام وأحسن وجوه اللطف فيه الجذب إلى قبول الحق بالشمائل والسير المرضية والأعمال الصالحة فإنها أوقع وألطف من الألفاظ المزينة قال الشيخ الأكبر قدس سره قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ولم يقل صلوا كما قلت لكم لان الفعل أرجح في نفس التابع المقتدى من القول كما قيل وإذا المقال مع الفعال وزنته * رجح الفعال وخف كل مقال انتهى : وفي المثنوى بند فعلى خلق را جذابتر * كه رسد در جان هر با كوش كر والخبير هو الذي لا تعزب عنه الاخبار الباطنة ولا يجرى في الملك والملكوت شئ ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن الا ويكون عنده خبرها وهو بمعنى العليم لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمى خبرة وسمى صاحبه خبيرا وحظ العبد من ذلك ان يكون خبيرا بما يجرى في عالمه وعالمه قلبه وبدنه والحفايا التي يتصف القلب بها من الغش والخيانة والطواف حول العاجلة وإضمار الشر واظهار الخير والتجمل بإظهار الإخلاص والإفلاس عنه لا يعرفها الا ذو خبرة بالغة قد خبر نفسه ومارسها وعرف مكرها وتلبيسها وخدعها فحادبها وتشمر لمعاداتها وأخذ الحذر منها فذلك من العباد جدير بان يسمى خبيرا قَدْ جاءَكُمْ اى قل يا محمد للناس وخصوصا لأهل مكة قد جاءكم بَصائِرُ كائنة مِنْ رَبِّكُمْ اى دلائل التوحيد وحقية النبوة ودلائل البعث والحساب والجزاء وغير ذلك . والبصائر جمع بصيرة وهي نور تبصر به النفس كما أن البصر نور تبصر به العين فاستعير لفظ البصيرة من القوة المودعة في القلب لادراك المعقولات للحجة البينة لكون كل واحدة منهما سبب الإدراك فَمَنْ أَبْصَرَ اى الحق بتلك البصائر وآمن به فَلِنَفْسِهِ ابصر لان نفعه لها وَمَنْ عَمِيَ اى لم يبصر الحق بعد ما ظهر له بتلك ظهورا بينا وضل عنه وانما عبر بالعمى عنه تقبيحا له وتنفيرا عنه فَعَلَيْها وباله والإشارة ان اللّه تعالى اعطى لكل عبد بصيرة لقلبه يبصر بها الحقائق المودعة في الغيوب والكمالات المعدة لأرباب القلوب كما اعطى بصرا لقالبه يبصر به الأعيان في الشهادة وما أعد لهم فيها من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح فمن نظر ببصر البصيرة إلى المراتب العلوية الأخروية الباقية وابصر كمالات القرب وما أعد اللّه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيشتغل بتحصيله ويقبل على اللّه بسلوك سبيله ويعرض عن الدنيا الدنية ويترك زينتها وشهواتها الفانية فذلك تحصيل سعادة وكرامة لنفسه فان اللّه غنى عن العالمين ومن عمى عن النظر بالبصيرة وغير هذه الكمالات لما ابصر ببصر القالب إلى الدنيا وزينتها واستلذ بشهواتها واستحلى مراتعها الحيوانية فعميت بصيرته فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور فذلك تحصيل شقاوة وخسارة على نفسه كذا في التأويلات النجمية وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وانما انا منذر ومبلغ واللّه هو الحفيظ عليكم يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ اى ومثل هذا التصريف البديع نصرف الآيات