الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
6
تفسير روح البيان
مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى صريح في الدلالة على السبق على المسمى قلت تعدد الاجل انما هو بالنسبة إلينا واما بالنسبة اليه تعالى فهو واحد قطعا تحقيقه انه تعالى عالم في الأزل كل الموجودات ومقدر لها حسبما شمله علمه فهو يقول في الأزل مثلا ان فلانا ان اتقى وأطاع يبلغ إلى اجله المسمى والمراد بالأجل هاهنا الاجل الثاني الأطول ووصفه بالمسمية ليس للتخصيص لان الاجل المسمى على كل حال وان لم يتق ولم يطع لم يبلغ هذه المرتبة لكن يعلم أنه يفعل أحد الفعلين معينا فيقدر له الاجل المعين فيكون المقدر في علم اللّه الاجل المعين وانا لعدم اطلاعنا في علم اللّه تعالى لم نعلم أن ذلك الفلان أي الفعلين فعل وأيما الأجلين قضى له فإذا فعل أحدهما المعين وحل الاجل المرتب عليه علمنا أن ذلك هو المقدر المسمى فالتردد بالنسبة إلينا لا في التقدير والا يلزم ان لا يكون علم اللّه تعالى بما فعل العبد قبل الوقوع وعلى هذا قول اللّه للكافر اسلم تدخل الجنة ولا تكفر تدخل النار مع علمه وتقديره عدم إسلامه في الأزل والأمر والنهى لاظهار الإطاعة أو المخالفة في الظاهر كمن يريد اظهار عدم إطاعة عبده له للحاضرين فيأمره بشئ وهو يعلم أنه لا يفعله والعلم بعدم الإطاعة للحاضرين المترددين انما يحصل بأمره وكذا صورة الطاعة وجميع المقدرات الإلهية من افعال العباد الاختيارية من هذا القبيل فظهر ان التردد بالنسبة إلينا دون علم اللّه الا ان يطلعنا عليه باخباره الواقع في علمه كما اطلع نبيه عليه السلام على بعض ما وقع من حال الكفار في زمانه بقوله أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وقوله خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وقوله فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ فهذا اخبار بما في علمه من أنهم لا يختارون الايمان هذا غاية ما يقال في هذا المقام والعلم عند اللّه الملك العلام ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ استبعاد لامترائهم في البعث بعد ما تبين انه تعالى خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم فان من قدر على خلق المواد وجمعها وإبداع الحياة فيها وابقائها ما يشاء كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيا والمرية هي الشك المجتلب بالشبهة أصلها من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها ليدر لبنها للحلب والمري استخراج اللبن من الضرع قال أبو السعود وصفهم بالامتراء الذي هو الشك وتوجيه الاستبعاد اليه مع أنهم جازمون بانتفاء البعث مصرون على إنكاره كما ينبئ عنه قولهم أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ونظائره للدلالة على أن جزمهم المذكور في أقصى مراتب الاستبعاد والاستنكار واعلم أن الإنسان وقت كونه نطفة ينكر صبرورته بشرا سويا في الزمان الآتي وعند تصوره بصورة البشر يلزمه الحجة فانكاره الحشر انكار عين ما كان فيه : وفي المثنوى پس مثال تو چو آن حلقه زنيست * كز درونش خواجة گويد خواجة نيست حلقه زن زين نيست در يابد كه هست * پس ز حلقه بر ندارد هيچ دست پس هم انكارت مبيّن ميكند * كز جماد أو حشر صدفن ميكند والإشارة ثُمَّ ان اللّه تعالى قَضى للروح من حكمته أَجَلًا لأيام فراقه عن الحضرة وبعده عن وطنه الحقيقي وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو أجل الوصلة بعد الفرقة في مقام العندية كقوله فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ