الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

42

تفسير روح البيان

كما لا يخفى - حكى - ان بعض الصالحين كان يتكلم على الناس ويعظهم فمر عليه في بعض الأيام يهودي وهو يخوفهم ويقرأ قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا فقال اليهودي ان كان هذا الكلام حقا فنحن وأنتم سواء فقال له الشيخ لا ما نحن سواء بل نحن نرد ونصدر وأنتم تردون ولا تصدرون ننجو نحن منها بالتقوى وتبقون أنتم فيها جثيا بالظلم ثم قرأ الآية الثانية ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا فقال اليهودي نحن المتقون فقال له الشيخ كلا بل نحن وتلا قوله تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ إلى قوله تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ فقال اليهودي هات برهانا على صدق هذا فقال له الشيخ البرهان حاضر يراه كل ناظر وهو ان تطرح ثيابي وثيابك في النار فمن سلمت ثيابه فهو الناجي منها ومن أحرقت ثيابه فهو الباقي فيها فنزعا ثيابهما فاخذ الشيخ ثياب اليهودي ولفها ولف عليها ثيابه ورمى الجميع في النار ثم دخل النار فاخذ الثياب ثم خرج من الجانب الآخر ثم فتحت الثياب فإذا ثياب الشيخ المسلم سالمة بيضاء قد نطفتها النار وأزالت عنها الوسخ وثياب اليهودي قد صارت حراقة مع أنها مستورة وثياب الشيخ المسلم ظاهرة للنار فلما رأى ذلك اسلم والحمد للّه فهذه الحكاية مناسبة لما ذكر من الآيات إذ كفار قريش كانوا من أهل الظلم والهوى فلم ينفعهم دعواهم فصاروا إلى العذاب والمؤمنون كانوا من أهل العدل والبينة والهدى فأنتج تقواهم ووصلوا إلى جنات مفتحة لهم الأبواب ومن سلم لباسه من النار سلم وجوده بالطريق الأولى بل الثوب في الحقيقة هو الوجود الظاهري الذي استتر به الروح الباطني فلا بد من تطهيره المؤدى إلى تطهير الباطن يسره اللّه وَعِنْدَهُ اى اللّه تعالى خاصة مَفاتِحُ الْغَيْبِ اى خزائن غيوبه . جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن والكنز والإضافة من قبيل لجين الماء وهو المناسب للمقام كما في حواشي سعدى چلبى المفتى ويجوز ان يكون جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح اى آلة الفتح فالمعنى ما يتوصل به إلى الغيب شبه الغيب بالخزائن المستوثق بها بالاقفال وأثبت لها مفاتح على سبيل التخييل ولما كان عنده تلك المفاتح كان المتوصل إلى ما في الخزائن من المغيبات هو لا غير كما في حواشي ابن الشيخ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ تأكيد لمضمون ما قبله قال في تفسير الجلالين وهي الخمسة التي في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية رواه البخاري قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ( مفأتح الغيب خمس لا يعلمها الا اللّه لا يعلم ما في الأرحام الا اللّه ولا يعلم ما في غد الا اللّه ولا يعلم متى يأتي المطر الا اللّه ولا يدرى بأي ارض تموت النفس الا اللّه ولا يعلم متى تقوم الساعة الا اللّه ) وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ من الموجودات مفصلة على اختلاف أجناسها وأنواعها وتكثير افرادها وهو بيان لتعلق علمه تعالى بالمشاهدات اثر بيان تعلقه بالمغيبات تكملة له وتنبيها عن أن الكل بالنسبة إلى علمه المحيط سواء في الجلاء وَما تَسْقُطُ مِنْ زائدة وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها يريد ساقطة وثابتة يعنى يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه وهي مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات وَلا حَبَّةٍ عطف على ورقة وهي بالفارسية [ دانه ] فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ اى كائنة في بطونها لا يعلمها قال الكاشفي [ مراد تخميست كه