الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

32

تفسير روح البيان

ثم استيقظت فجاء التفسير بحمد اللّه تعالى مشيرا إلى مراتب الشكر : كما قال بعضهم الشكر قيد للنعم . مستلزم دفع النقم . وهو على ثلاثة قلب يد فاعلم وفم والحمد للّه تعالى ولي الانعام على الاستمرار والدوام قُلْ يا محمد لأهل مكة أَ رَأَيْتُمْ اى أخبروني أيها المشركون فان الرؤية بصرية كانت أو علمية سبب الاخبار كما سبق إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ اى اصمكم وَأَبْصارَكُمْ اى اعماكم بالكلية وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ بان غطى عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم بحيث تصيرون مجانين مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ من استفهامية مبتدأ واله خبره وغير صفة له يَأْتِيكُمْ بِهِ اى بما اخذه منكم وهي صفة أخرى له والجملة متعلق الرؤية ومناط الاستخبار اى أخبروني ان سلب اللّه عنكم اشراف أعضائكم من أحد غير اللّه يأتيكم بها ومن المعلوم انه لا يقدر عليه الا اللّه سبحانه فهو المستحق للعبادة والتعظيم وهو احتجاج آخر على المشركين انْظُرْ يا محمد وتعجب كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ اى نكررها ونقررها مصروفة من أسلوب إلى أسلوب تارة بترتيب المقدمات العقلية وتارة بطريق الترغيب والترهيب وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين قال الحدادي التصريف توجيه المعنى في الجهات التي تظهرها أتم الإظهار ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ اى يعرضون عنها فلا يؤمنون وثم لاستبعاد صدفهم اى اعراضهم عن تلك الآيات بعد تصريفها على هذا النمط البديع الموجب للاقبال عليها قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ اى أخبروني أيها المشركون إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً اى ليلا أو نهارا لما ان الغالب فيما اتى ليلا البغتة اى الفجأة وفي ما اتى نهارا الجهرة وهو المناسب لما في سورة الأعراف من قوله تعالى أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ والقرآن يفسر بعضه بعضا وهو اللائح بالبال هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ الاستفهام بمعنى النفي ومتعلق الاستخبار محذوف اى أخبروني ان أتاكم عذابه العاجل الخاص بكم بغتة أو جهرة كما اتى من قبلكم من الأمم ماذا يكون الحال ثم قيل بيانا لذلك هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ اى ما يهلك بذلك العذاب الخاص بكم الا أنتم ووضع المظهر موضع المضمر إيذانا بان مناط هلاكهم ظلمهم الذي هو وضعهم للكفر موضع الايمان وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ حالان مقدرتان من المرسلين اى ما نرسلهم الا مقدرا تبشيرهم وإنذارهم ففيهما معنى العلة الغائية قطعا اى لم نرسلهم لان يقترح عليهم الآيات ويتلهى بهم بل لان يبشروا قومهم بالثواب على الطاعة وينذروهم بالعقاب على المعصية التبشير الاخبار بالخبر السار والانذار الاخبار بالخبر الضار فَمَنْ آمَنَ بهم وَأَصْلَحَ عمله أو دخل في الصلاح فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب الذي انذروه دنيويا كان أواخر ويا وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بفوات ما بشروا به من الثواب العاجل والآجل وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وهي ما ينطق به الرسل عليهم السلام عند التبشير والانذار ويبلغونه إلى الأمم يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ الأليم وأسند المس إلى العذاب مع أن حقه ان يسند إلى الاحياء لكونه من الافعال المسبوقة بالقصد والاختيار على طريق الاستعارة بالكناية فجعل كأنه حي يطلب إيلامهم والوصول إليهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ اى بسبب فسقهم المستمر الذي هو الإصرار على الخروج عن