الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
205
تفسير روح البيان
أسأتم فالضرر بالتألم عائد عليكم ومالك الأعيان أولى بها من الأعيان فالخلق خلقه والملك ملكه ان شاء هداهم وان شاء أغواهم فكيف آسى على قوم كافرين فلا تأسف على نفى وفقد ولا اثر من كون ووجود لان الكل صادر من حكيم بالغ في حكمته كامل في قدرته انتهى قال اللّه تعالى لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وهذا انما يحصل عند الفناء الكلى وهو للأنبياء عليهم السلام وكمل الأولياء واعلم أن كل أهل ابتلاء ليس بمحل للرحمة عند نظر الحقيقة لان اللّه تعالى ابتلاه بسبب جفائه إياه فقد اكتسبه بعلمه فكيف يترحم له ولذا كان أهل الحقيقة كالسيف الصارم مع كونهم رحم خلق اللّه تعالى ألا ترى إلى قوله تعالى وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ : قال السعدي قدس سره كرا شرع فتوى دهد بر هلاك * ألا تا ندارى ز كشتنش باك واللّه تعالى غيور وعبده في غيرته فالحلم والغضب بقدر ما اذن فيه الشرع من اخلاق الأنبياء وهو لا يقدح في فراغ القلب عن كل وصف لان رعاية الاحكام الظاهرة لا تنافى التوغل في الحقيقة فعلى العاقل ان يدور بالأمر الإلهي ويرفع عن لسانه وقلبه لم لا وكيف فان الأمر بيد اللّه تعالى لا بيده قال إبراهيم بن أدهم لرجل أتحب أن تكون للّه وليا قال نعم قال لا ترغب في شئ من الدنيا والآخرة وفرغ نفسك للّه واقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك فعلم من هذا ان من كان إقباله إلى نفسه وإلى هواها لا يجد الحق وإقباله وموالاته في كل حالاته ومقاماته كما لا يخفى وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ [ در شهري وديهى ] مِنْ مزيدة نَبِيٍّ كذبه أهلها إِلَّا قد أَخَذْنا أَهْلَها استثناء مفرغ من أعم الأحوال . والمعنى وما أرسلنا في قرية من القرى المهلكة نبيا من الأنبياء المكذبين في حال من الأحوال الا في حال كوننا آخذين أهلها بِالْبَأْساءِ بالبؤس والفقر وَالضَّرَّاءِ بالضر والمرض لكن لا على معنى ان ابتداء الإرسال مقارن للاخذ المذكور بل على أنه مستتبع له غير منفعك عنه بالآخرة لاستكبارهم عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ كي يتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة عن أكتافهم فان الشدة خصوصا الجوع يؤدى إلى التواضع والانقياد في حق أكثر العباد . ومن بلاغات الزمخشري المرض والحاجة خطبان امرّ من نقيع الخطبان وهم بضم الخاء نوع من ورق الحنظل اصفر وهو أبلغ في المرارة ثُمَّ بَدَّلْنا عطف على أخذنا داخل في حكمه مَكانَ السَّيِّئَةِ التي أصابتهم الْحَسَنَةَ اى أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة الرخاء والسعة لان ورود النعمة بعد الشدة يدعوا إلى الانقياد والاشتغال بالشكر انما سميت الشدة سيئة لأنها تسوء الإنسان كما سمى الرخاء حسنة لأنه يحسن اثره على الإنسان والا فالسيئة هي الفعلة القبيحة واللّه تعالى لا يفعل القبيح والحسنة والسيئة من الألفاظ المستغنية عن ذكر موصوفاتها حالة الافراد والجمع سواء كانتا صفتين للأعمال أو المثوبة أو الحالة من الرخا والشدة حَتَّى عَفَوْا كثروا عددا وعددا وابطرتهم النعمة يقال عفا النبات إذا كثر وتكاثف ومنه إعفاء اللحى في الحديث وهو ( احفوا الشوارب واعفوا اللحى ) : قال الشاعر عفوا من بعد إقلال وكانوا * زمانا ليس عند همو بعير