الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

183

تفسير روح البيان

استئناف اى الرؤساء من قومه والاشراف الذين يملأون صدور المحافل باجرامهم والقلوب بجلالهم وهيبتهم والابصار بجمالهم وبهجتهم إِنَّا لَنَراكَ يا نوح فِي ضَلالٍ ذهاب عن طريق الحق والصواب لمخالفتك لنا والرؤية قلبية مُبِينٍ بين كونه ضلالا قالَ استئناف أيضا يا قَوْمِ ناداهم بإضافتهم اليه استمالة لقلوبهم نحو الحق لَيْسَ بِي الباء للملابسة أو للظرفية ضَلالَةٌ بالغ في النفي حيث نفى عن نفسه ملابسة ضلالة واحدة اى ليس بي شئ من افراد الضلال وجزئياته فضلا عن أن يكون بي ضلال عظيم بين كما بالغوا في الإثبات حيث جعلوه مستقرا في الضلال الواضح كونه ضلالا وَلكِنِّي رَسُولٌ اى رسول كائن مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ فمن لابتداء الغاية مجازا والرسالة يلزمها الهدى التام الغير القابل للضلال فاستدرك الملزوم ليكون كالبرهان على استدراك اللازم كأنه قال ولكني على هدى كامل في الغاية لانى رسول من رب العالمين أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي الرسالة صفة واحدة قائمة بذات الرسول متعلقة بالإضافة إلى المرسل والمرسل اليه الا انها جمعت نظرا إلى تعددها بحسب تنوع معانيها كالعقائد والمواعظ والاحكام أو لان المراد بها ما أوحى اليه وإلى الأنبياء قبله كصحف شيث وهي خمسون صحيفة وصحف إدريس وهي ثلاثون صحيفة وَأَنْصَحُ لَكُمْ زيادة اللام مع تعدى النصح بنفسه يقال نصحتك للدلالة على إمحاض النصح لهم وانها لمنفعتهم ومصلحتهم خاصة فإنه رب نصيحة ينتفع بها الناصح أيضا وليس الأمر هاهنا كذلك والفرق بين تبليغ الرسالة وتقرير النصيحة ان تبليغ الرسالة معناه ان يعرف أنواع تكاليف اللّه وأحكامه والنصيحة المراد بها الترغيب في الطاعة والتحذير من المعاصي والإرشاد إلى ما فيه مصالح المعاد قال الحدادي النصح إخراج الغش من القول والفعل وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ اى اعلم من قدرته القاهرة وبطشه الشديد على أعدائه وان بأسه لا يرد عن القوم المجرمين ما لا تعلمونه قيل كانوا لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم فكانوا غافلين آمنين لا يعلمون ما علمه نوح عليه السلام بالوحي أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ الهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر اى استبعدتم وعجبتم من أن جاءكم وحي أو موعظة من مالك أموركم ومربيكم عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ اى على لسان رجل من جنسكم فإنهم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون لا مناسبة بينه تعالى وبين البشر من حيث إنه تعالى في غاية التقدس والتنزه والبشر في غاية التعلق والتكدر فأنكر عليهم نوح عليه السلام لأنه لا سبيل إلى أن يكلف اللّه البشر بنفسه من غير واسطة لان حجاب العظمة والكبرياء يمنع من أن يتحقق بينهم الفيض والاستفاضة فتعين ان يكون التكليف بان يرسل بشرا ذا جهتين يستفيض من عالم الغيب بجهة تجرده وصفاء روحانيته ويفيض لبنى نوعه بجهة مشاركته لهم في الحقيقة النوعية لِيُنْذِرَكُمْ علة للمجىء اى ليحذركم عاقبة الكفر والمعاصي وَلِتَتَّقُوا منها بسبب الانذار وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ اى ولتتعلق بكم الرحمة بسبب تقواكم وفائدة حرف الترجي التنبيه على عزة المطلب وان التقوى غير موجبة للرحمة بل هي منوطة بفضل اللّه تعالى وان المتقى ينبغي ان لا يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب اللّه تعالى فَكَذَّبُوهُ