الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

184

تفسير روح البيان

واستمروا على ذلك في هذه المدة المتطاولة إذ هو الذي يعقبه الانجاء والإغراق لا مجرد التكذيب - روى - ان نوحا عليه السلام دعا بهلاك قومه فامره اللّه تعالى بصنع الفلك فلما تم دخل فيه مع المؤمنين فأرسل اللّه الطوفان وأغرق الكفار وأنجى نوحا مع المؤمنين فذلك قوله تعالى فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة فِي الْفُلْكِ متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الظرف اى والذين استقروا معه في الفلك وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا اى استمروا على تكذيبها وليس المراد بهم الملأ المتصدين للجواب فقط بل كل من أصر على التكذيب منهم ومن أعقابهم . وتقديم ذكر الانجاء على الإغراق للايذان بسبق الرحمة التي هي مقتضى الذات وتقدمها على الغضب الذي يظهر اثره بمقتضى جرائمهم إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ أصله عميين جمع عم أصله عمى على وزن خضر فأعل كاعلال قاض قال أهل اللغة يقال رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر والمعنى عمين قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد غير مستبصرين وهذا العمى مانع عن رؤية الآيات ومشاهدة البينات : قال الحافظ جمال يار ندارد نقاب وپرده ولى * غبار ره بنشان تا نظر توانى كرد بخلاف أعمى البصر إذا كان مستعدا للنظر فإنه كم من أعمى قادر على الرؤية من حيث الحقيقة : قال الصائب دل چو بيناست چه غم ديده اگر نابيناست * خانهء آيينه را روشنى از روزن نيست وفي الآية إشارة إلى نوح الروح الذي أرسله اللّه إلى قومه ببلاد القالب وهو القلب وصفاته والنفس وصفاتها ومن صفة الروح العبودية والطاعة ودعوة القلب والنفس وصفاتهما إلى اللّه وعبوديته ومن صفات النفس وشأنها تكذيب الروح ومخالفته والإباء عن قبول نصحه والروح يحذر قومه من عبادة الدنيا وزينتها لئلا يحرموا من مساعدة الرحمة فكذبه قومه من النفس وصفاتها فانجينا الروح من ظلمات النفس وتمردها والذين معه وهم القلب وصفاته الذين قبلوا دعوة نوح الرسول وركبوا معه في الفلك وهو فلك الشريعة والدين فاغرقنا الذين كذبوا بآياتنا اى النفس وصفاتها في بحر الدنيا وشهواتها انهم كانوا قوما عمين عن رؤية اللّه والوصول اليه هذه حال الأنفس والآفاق وأهليهما ولو أصغوا إلى داعى الحق واجتنبوا عما ارتكبوا لنجوا كما حكى ان الشيخ بقا رضى اللّه عنه كان يوما جالسا على شط نهر الملك فمرت به سفينة فيها جند ومعهم خمر وفواكه ونساء متبرجات وصبيان ومغانى وهم في غاية من اللهو والطغيان فقال الشيخ بقا للملاح اتق اللّه وقدم إلى اللّه فلم يلتفتوا إلى كلامه فقال أيها النهر المسخر خذا الفجرة فنما الماء عليهم حتى طلع إلى السفينة فأشرفوا على الغرق فصاحوا بالشيخ وأعلنوا بالتوبة فعاد الماء إلى حاله وحسنت توبتهم وكانوا بعد ذلك يكثرون من زيارته : قال الحافظ امروز قدر پند عزيزان شناختم * يا رب روان ناصح ما از تو شاد باد فعلى العاقل ان يقبل النصيحة ممن فوقه ودونه فان النصيحة سهلة والمشكل قبولها ونعم ما قال السعدي قدس سره