الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

159

تفسير روح البيان

وان كانت هي التي يبتدأ بها الكلام لكنها غاية لما قبلها من الفعل اى ينالهم نصيبهم من الكتاب إلى أن تأتيهم ملائكة الموت فإذا جاءتهم قالُوا توبيخا لهم أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ اى اين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا . وما وصلت باين في خط المصحف وحقها الفصل لأنها موصولة قالُوا اى الكفار ضَلُّوا عَنَّا اى غابوا عنا اى لا ندري مكانهم وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ عطف على قالوا اى اعترفوا على أنفسهم أَنَّهُمْ كانُوا اى في الدنيا كافِرِينَ اى عابدين لمن لا يستحق العبادة أصلا حيث شاهدوا مآله وضلاله ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ لاحتمال ذلك من طوائف مختلفة أو في أوقات مختلفة وفي الإرشاد ولعله قصد بيان غاية سرعة وقوع البعث والجزاء كأنهما حاصلان عند ابتداء التوفى كما ينبئ عنه قوله عليه السلام ( من مات فقد قامت قيامته ) والا فهذا السؤال والجواب وما يترتب عليهما من الأمر بدخول النار وما جرى بين أهلها من التلاعن والتقاول انما يكون بعد البعث لا محالة قالَ اللّه تعالى لهم يوم القيامة أو أحد من الملائكة ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ اى كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم قَدْ خَلَتْ اى مضت مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يعنى كفار الأمم الماضية من النوعين فِي النَّارِ متعلق بقوله ادخلوا وانما قدم الجن على الانس لتقدمهم عليهم في الخلقة وذلك ان اللّه تعالى لما خلق الجن فمنهم مؤمن ومنهم كافر فلما استولى أهل الكفر منهم على أهل الايمان حتى استأصلوهم بعث اللّه إليهم جندا من الملائكة كان رئيسهم إبليس فسلطهم اللّه عليهم حتى أهلكوا جميعهم ثم خلق اللّه آدم بعدهم فخلق منه ذريته فمنهم كافر كقابيل ومنهم مؤمن كهابيل إذ كان في كل زمان منهم أمة كافرة مستحقة لدخول النار وأمة مؤمنة مستحقة لدخول الجنة حتى الآن إلى انقراض العالم كما قال عليه السلام ( لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول اللّه اللّه ) كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ من الأمم السابقة واللاحقة اى في النار لَعَنَتْ أُخْتَها التي ضلت بالاقتداء بها فلعنت المشركون المشركين واليهود اليهود والنصارى النصارى والمجوس المجوس وعلى هذا القياس ويلعن الاتباع القادة يقولون لعنكم اللّه أنتم غررتمونا فالمراد الأخت في الدين والملة ولم يقل أخاها لأنه أراد الأمة والجماعة حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً غاية لما قبلها . والمعنى انهم يدخلونها فوجا فوجا لاعنا بعضهم بعضا إلى انتهاء تداركهم وتلاحقهم في النار واجتماعهم فيها وأصل اداركوا تداركوا أدغمت التاء في الدال فاجتلبت همزة الوصل قالَتْ أُخْراهُمْ اى دخولا وهم الاتباع وأخرى هاهنا بمعنى آخرة مؤنث آخر مقابل أول لا مؤنث آخر بمعنى غير كقوله تعالى وِزْرَ أُخْرى لِأُولاهُمْ اى لأجل أولاهم إذا الخطاب مع اللّه تعالى رَبَّنا - هؤُلاءِ أَضَلُّونا اى سنوا لنا الضلال عن الهدى بإلقاء الشبهة علينا فاقتدينا بهم فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً اى مضاعفا مِنَ النَّارِ لأنهم ضلوا وأضلوا قالَ اللّه لِكُلٍّ من الأولين والآخرين ضِعْفٌ اما القادة فبكفرهم وتضليلهم واما الاتباع فبكفرهم وتقليدهم فليس المراد تضعيف ما يستحق كل واحد من العذاب لأنه ظلم بل تضعيفه عذاب الضلال بان يضم اليه عذاب الإضلال والتقليد وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ما لكم