الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
9
تفسير روح البيان
غليظ . واعلم أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد فإنه مهده في معاشه والنار ناران نار اللّه ونار الجحيم فاما نار اللّه فهي نار حسرة القطيعة عن اللّه فيها يعذب قلوب المحجوبين عن اللّه كقوله تعالى نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ واما نار الجحيم فهي نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات فهي تحرق قشور الجلود كما قال تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ولا يتخلص من هذه النار إلا لب القلوب وان عذاب حرقة الجلد بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب كنسيم الحياة وسموم الممات فلا بد من تزكية النفس فإنها سبب للخلاص من عذاب الفرقة . قيل لبعضهم بم يتخلص العبد من نفسه قال بربه انتهى فإذا أراد اللّه ان ينصر عبده على ما طلب منه امده بجنود الأنوار فكلما اعترته ظلمة قام لها نور فاذهبها وقطع عنه مواد الظلم والأغيار فلم يبق للهوى مجال ولا للشهوة والأخلاق الذميمة مقال ولا قال فالنور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس والمراد بالنور حقائق ما يستفاد من معاني الأسماء والصفات وبالظلمة معاني ما يستفاد من الهوى والعوائد الرديئة قال تعالى إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها اى غيروا حالها عما هي عليه وكذلك إذا وردت الواردات الربانية على القلوب الممتلئة أخرجت منها كل صفة رديئة وكستها كل خلق زكية فهذه الدولة انما تنال بترك الدنيا والعقبى فكيف يمتلئ بالأنوار قلب من خالط الأغيار وأحب المال والأولاد ولم يخف من رب العباد . وقدم على الأستاذ أبى على الدقاق رحمه اللّه فقير وعليه مسح وقلنسوة فقال له بعض أصحابه بكم اشتريت هذا المسح على وجه المطايبة فقال اشتريته بالدنيا فطلب منى بالآخرة فلم أبعه . قال أبو بكر الوراق رحمه اللّه طوبى للفقراء في الدنيا والآخرة فسألوه عنه فقال لا يطلب السلطان منه في الدنيا الخراج ولا الجبار في الآخرة الحساب قناعت سر فرازد اى مرد هوش * سر پر طمع بر نيايد ز دوش كر آزادهء بر زمين خسب وبس * مكن بهر مالي زمين بوس كس حققنا اللّه وإياكم بحقائق التوحيد زُيِّنَ لِلنَّاسِ اى حسن لهم والمزين هو اللّه لقوله تعالى زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ وذلك على جهة الامتحان أو هو الشيطان لقوله تعالى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وذلك على جهة الوسوسة حُبُّ الشَّهَواتِ اى محبة مرادات النفوس والشهوة نزوع النفس إلى ما تريده وهي مصدر أريد به المفعول اى المشتهيات لان الأعيان التي ذكرها كلها مشتهيات وانما عبر عنها بالمصدر مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها كأنها نفس الشهوات والوجه ان يقصد تخسيسها فيسميها شهوات لان الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية . قالوا خلق اللّه الملائكة عقولا بلا شهوة والبهائم ذات شهوات بلا عقل وجعلهما في الإنسان فمن غلب عقله شهوته فهو أفضل من الملائكة ومن غلب عليه شهوته فهو أرذل من البهائم مِنَ النِّساءِ حال من الشهوات