الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

8

تفسير روح البيان

عداهم وهو من أوضح شواهده النبوة وَتُحْشَرُونَ اى في الآخرة إِلى جَهَنَّمَ والحشر السوق والجمع اى يغلبون في الدنيا ويساقون في الآخرة مجموعين إلى جهنم وَبِئْسَ الْمِهادُ اى بئس الفراش والمقر جهنم قَدْ كانَ لَكُمْ جواب قسم محذوف وهو من تمام القول المأمور به اى واللّه قد كان لكم أيها اليهود المغترون بعددهم وعددهم آيَةٌ عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم انكم ستغلبون فِي فِئَتَيْنِ اى جماعتين فان المغلوبة منهما كانت مدلة بكثرتها معجبة بعزتها وقد لقيها ما لقيها فيصيبكم ما يصيبكم الْتَقَتا اى تلاقيا بالقتال يوم بدر فِئَةٌ خبر مبتدأ محذوف اى إحداهما فئة تُقاتِلُ تجاهد فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهم لا كثرة فيهم ولا شوكة وهم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم وَأُخْرى اى وفئة أخرى كافِرَةٌ باللّه ورسوله يَرَوْنَهُمْ اى ترى الفئة الأخيرة الكافرة الفئة الأولى المؤمنة والجملة صفة للفئة الأخيرة مِثْلَيْهِمْ اى مثلي عدد الرائين قريبا من الف كانوا تسعمائة وخمسين مقاتلا رأسهم عتبة من ربيعة بن عبد شمس وفيهم أبو سفيان وأبو جهل وكان فيهم من الخيل والإبل مائة فرس وسبعمائة بعير ومن أصناف الأسلحة عدد لا يحصى . وعن سعد بن أوس أنه قال أسر المشركون رجلا من المسلمين فسألوه كم كنتم قال ثلاثمائة وبضعة عشر قالوا ما كنا نراكم الا تضعفون علينا أو مثلي عدد المرئيين اى ستمائة ونيفا وعشرين حيث كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار رضى اللّه عنهم وكان صاحب راية النبي صلى اللّه عليه وسلم والمهاجرين علي بن أبي طالب رضى اللّه تعالى عنه وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة الخزرجي رضى اللّه عنه وكان في العسكر تسعون بعيرا وفرسان أحدهما للمقداد بن عمرو والآخر لمرثد بن بي مرثد وست ادرع وثمانية سيوف وجميع من استشهد يومئذ من المسلمين أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار أراهم اللّه عز وجل كذلك مع قلتهم ليهابوهم ويتجنبوا عن قتالهم مددا لهم منه سبحانه كما أمدهم بالملائكة عليهم السلام . فان قلت فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ . قلت قللهم أولا في أعينهم حتى اجترءوا عليهم فلما لا قوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة واظهار الآية رَأْيَ الْعَيْنِ نصب على المصدر يعنى رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ اى يقوى بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ اى يريد من غير توسيط الأسباب العادية كما أيد الفئة المقاتلة في سبيله بما ذكر من النصر وهو من تمام القول المأمور به إِنَّ فِي ذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيرا المستتبعة لغلبة القليل العديم العدة على الكثير الشاكي السلاح لَعِبْرَةً من العبور كالجلسة من الجلوس والمراد بها الاتعاظ فإنه نوع من العبور اى لعبرة عظيمة كائنة لِأُولِي الْأَبْصارِ لذوي العقول والبصائر . فعلى العاقل ان يعتبر بالآيات ولا يغتر بكثرة الاعداد من الأموال والأولاد وعدم اجتهاده لمعاده فان اللّه يمتعه قليلا ثم يضطره إلى عذاب