الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

5

تفسير روح البيان

كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة اهبط الأرواح من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد كما قال اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فإذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون فاحفظه تفهم ان شاء اللّه تعالى كذا في تأويلات الشيخ الكامل نجم الدين الكبرى أفاض اللّه علينا من سجال معارفه وحقائقه ولطائفه آمين هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ اى القرآن مِنْهُ اى من الكتاب آياتٌ مُحْكَماتٌ اى قطعية الدلالة على المعنى المراد محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ اى أصل فيه وعمدة يرد إليها غيرها بالتأويل فالمراد بالكتاب كله والإضافة بمعنى في وَأُخَرُ اى ومنه آيات اخر مُتَشابِهاتٌ اى محتملات لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها من بعض في استحقاق الإرادة بها ولا يتضح الأمر الا بالنظر الدقيق والتأمل الأنيق فالتشابه في الحقيقة وصف للمعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بوصف المدلول . واعلم أن اللفظ اما ان لا يحتمل غير معنى واحد أو يحتمل . والأول هو النص كقوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ . والثاني اما أن تكون دلالته على مدلوليه أو مدلولاته متساوية أولا والأول هو المجمل كقوله تعالى ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . واما الثاني فهو بالنسبة إلى الراجح ظاهر كقوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ وبالنسبة إلى المرجوح مؤول كقوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ والنص والظاهر كلاهما محكم والمجمل والمؤول متشابه وهو كقوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قد رد إلى قوله تعالى وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ثم إن اللّه تعالى جعل القرآن كله محكما في قوله الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ومعناه ان كله حق لا ريب فيه ومتقن لا تناقض فيه ومحفوظ من اعتراء الخلل أو من النسخ . وجعله كله متشابها في قوله كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ ومعناه يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة النظم وحقيقة المدلول وجعل بعضه محكما وبعضه متشابها في هذه الآية وقد سبق وانما لم يجعل اللّه القرآن كله محكما لما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه كابتلاء بني إسرائيل بالنهر في اتباع نبيهم ولان النظر في المتشابه والاستدلال لكشف الحق يوجب عظم الاجر ونيل الدرجات عند اللّه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ اى ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ معرضين عن المحكمات اى يتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب أو بتأويل باطل لا تحريا للحق بعد الايمان بكونه من عند اللّه تعالى بل ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ اى طلب ان يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ اى طلب ان يؤولوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغة والحال انهم بمعزل من تلك الرتبة وذلك قوله عز وجل وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ اى تأويل المتشابه إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ اى لا يهتدى إلى تأويله الحق الذي يجب ان يحمل عليه الا اللّه وعباده الذين رسخوا في العلم اى ثبتوا فيه وتمكنوا أو فوضوا فيه لنص قاطع ومنهم من يقف على قوله إِلَّا اللَّهُ ويبتدئ بقوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ويفسرون المتشابه بما أستأثر اللّه