الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

6

تفسير روح البيان

بعلمه وبمعرفة الحكمة فيه من آياته كعدد الزبانية في قوله عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ومدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة والصوم وعدد الركعات في الصلوات الخمس والأول هو الوجه فان اللّه تعالى لم ينزل شيأ من القرآن الا لينتفع به عباده ويدل به على معنى اراده فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال وهل يجوز ان يقال إن رسول اللّه صلى عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه وإذا جاز ان يعرفه مع قوله تعالى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ جاز ان يعرفه الربانيون من صحابته وان لم يعرفه النبي صلى اللّه عليه وسلم وصحابته والعلماء الراسخون وقالوا علمه عند ربنا لم يكن لهم فضل على الجهال لأنهم جميعا يقولون ذلك قالوا ولم يزل المفسرون إلى يومنا هذا يفسرون ويؤولون كل آية ولم نرهم وقفوا عن شئ من القرآن فقالوا هذا متشابه لا يعلمه الا اللّه بل فسروا نحو حروف التهجي وغيرها يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ اى بالمتشابه والجملة على الأول استئناف موضح لحال الراسخين وعلى الثاني خبر لقوله والراسخون كُلٌّ اى كل واحد من المحكم والمتشابه مِنْ عِنْدِ رَبِّنا منزل من عنده تعالى لا مخالفة بينهما وَما يَذَّكَّرُ حق التذكر إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ اى العقول الخالصة عن الركون إلى الأهواء الزائغة وهو مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر وإشارة إلى ما به استعدوا للاهتداء إلى تأويله من تجرد العقل عن غواشى الحس رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا اى يقولون لا تمل قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى الحق والتأويل الصحيح أو إلى الايمان وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ اى من عندك رَحْمَةً واسعة تزلفنا إليك ونفوز بها عندك إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ واطلاق الوهاب ليتناول كل موهوب . وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله وانه متفضل بما ينعم به على عباده من غير أن يجب عليه شئ رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ بعد الموت لِيَوْمٍ اى لجزاء يوم وحسابه وهو يوم القيامة لا رَيْبَ فِيهِ اى في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء ومقصودهم بهذا عرض كمال افتقارهم إلى الرحمة وانها المقصد الأسنى عندهم إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ الوعد يعنى الألوهية تنافى خلف الوعد في البعث واستجابة الدعاء وهذا حال الراسخين في الدعاء فانظر كيف لا يأمنون سوء الخاتمة وأداهم الخوف والخشية إلى الرجاء فإياك والزيغ عن الصراط المستقيم باتباع الهوى والشهوات قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما من قلب الا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء ان يقيمه اقامه وإذا شاء ازاغه يعنى قلب المؤمن بين توفيقه وخذلانه وانما قال من أصابع الرحمن ولم يقل من أصابع اللّه اشعارا بأنه هو المتمكن من قلوب العباد والمتصرف فيها كيف يشاء ولم يكلها إلى أحد من ملائكته رحمة منه وفضلا لئلا يطلع على سرائرهم غيره وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول ( اللهم يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلوبنا على دينك ) والميزان بيد الرحمن يرفع قوما ويضع آخرين إلى يوم القيامة وقال صلى اللّه عليه وسلم ( مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهر البطن ) قال الجنيد رحمه اللّه من أراد ان يسلم له دينه ويستريح في بدنه وقلبه فليعتزل الناس فان هذا