الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

36

تفسير روح البيان

نعت لمصدر محذوف إِذا قَضى أَمْراً اى أراد شيأ وأصل القضاء الاحكام اطلق على الإرادة الإلهية القطعية المتعلقة بوجود الشيء لا يجابه إياه البتة فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ من غير ريث وهو تمثيل لكمال قدرته تعالى وسهولة تأتى المقدورات حسبما تقتضيه مشيئته وتصوير لسرعة حدوثها بما علم فيها من إطاعة المأمور المطيع للآمر القوى المطاع وبيان لأنه تعالى كما يقدر على خلق الأشياء مدرجا بأسباب ومواد معتادة يقدر على خلقها دفعة من غير حاجة إلى شئ من الأسباب والمواد . قال ابن عباس رضى اللّه عنهما ان مريم رضى اللّه عنها كانت في غرفة قد ضربت دونها سترا إذا هي برجل عليه ثياب بيض وهو جبريل تمثل لها بشرا سويا اى تام الخلق فلما رأته قالت أعوذ بالرحمن منك ان كانت تقيا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت . قال وهب وكان معها ذو قرابة يقال له يوسف النجار وكان يوسف هذا يستعظم ذلك فإذا أراد ان يتهمها ذكر صلاحها وإذا أراد ان يبرئها رأى ما ظهر عليها فكان أول ما كلمها ان قال لها قد دخل في صدري شئ أردت كتمانه فغلبنى ذلك فرأيت الكلام أشقى لصدرى قالت قل قال فحدثينى هل ينبت الزرع من غير بذر قالت نعم قال فهل ينبت شجر من غير أصل قالت نعم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم ألم تعلم أن اللّه أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر يومئذ انما صار من الزرع الذي أنبت اللّه من غير بذر ألم تعلم أن اللّه خلق آدم وحواء من غير أنثى ولا ذكر فلما قالت له ذلك وقع في نفسه ان الذي بها شئ أكرمها اللّه به - روى - ان عيسى عليه السلام حفظ التوراة وهو في بطن أمه وكانت مريم تسمع عيسى وهو يدرس في بطنها ثم لما شرف عالم الشهود أعطاه اللّه الزهادة في الدنيا فإنه كان يلبس الشعر ويتوسد الحجر ويستنير القمر وكان له قدح يشرب فيه الماء ويتوضأ فيه فرأى رجلا يشرب بيده فقال لنفسه يا عيسى هذا ازهد منك فرمى القدح وكسره واستظل يوما في ظل خيمة عجوز فكان قد لحقه حر شديد فخرجت العجوز فطردته فقام وهو يضحك فقال يا أمة اللّه ما أنت أقمتني وانما أقامني الذي لم يجعل لي نعيما في الدنيا ولما رفع إلى السماء وجد عنده إبرة كان يرقع بها ثوبه فاقتضت الحكمة الإلهية نزوله في السماء الرابعة وفيه إشارة إلى أن السالك لا بد وان ينقطع عن كل ما سوى اللّه ويتجرد عن العوائق حتى يسير مع الملأ الأعلى ويطير إلى مقام قاب قوسين أو أدنى - وروى - ان موسى عليه السلام ناجى ربه فقال اللهم أرني وليا من أوليائك فأوحى اللّه تعالى اليه ان اصعد إلى جبل كذا وادخل زاوية كذا في كهف كذا حتى ترى وليي ففعل فرأى فيه رجلا ميتا توسد بلبنه وفوق عورته خرقة وليس فيه شئ غيره فقال اللهم سألتك ان تريني وليك فأريتنى هذا فقال هذا هو وليي فو عزتي وجلالي لا ادخله الجنة حتى أحاسبه باللبنة والخرقة من اين وجدهما فحال أولياء اللّه الافتخار بالفقر وترك الدنيا والصبر على ما قدره اللّه صبر باشد مشتهاى زيركان * هست حلوا آرزوى كودكان هر كه صبر آورد كردون بر رود * هر كه حلوا خورد أو پس‌تر رود فالقوة الروحانية التي بها يصير الإنسان كالملائكة انما تحصل بالصبر عن المشتهيات فانظر إلى حال