الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

37

تفسير روح البيان

عيسى عليه السلام يكفك في هذا اعتبارا ومن اللّه التوفيق إلى الاعراض عن حطام الدنيا وقطع التعلق من الدارين قطعا وَيُعَلِّمُهُ كلام مستأنف اى ويعلم اللّه عيسى الْكِتابَ اى الكتابة والخط بالقلم بالإلهام والوحي وكان أحسن الناس خطا في زمانه وَالْحِكْمَةَ اى العلوم العقلية والشرعية وتهذيب الأخلاق لان كمال الإنسان في ان يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ومجموعهما هو المسمى بالحكمة وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ فيحفظهما عن ظهر القلب وهذا الكلام اعني يعلمه إلخ سيق تطبيبا لقلب مريم وإزاحة لما أهمها من خوف اللائمة لما علمت أنها تلد من غير زوج وَ يجعله رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ اى يكلمهم وقال بعض اليهود انه كان مبعوثا إلى قوم مخصوصين وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى عليهما السلام أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ معمول لرسول لما فيه من معنى النطق اى رسولا ناطقا بأنى قد جئتكم ملتبسا بِآيَةٍ عظيمة كائنة مِنْ رَبِّكُمْ وهي ما ذكر بعده من خلق الطير وغيره أَنِّي أَخْلُقُ بدل من انى قد جئتكم اى أقدر وأشكل لأنه قد ثبت ان العبد لا يكون خالقا بمعنى التكوين والإبداع فوجب ان يكون بمعنى التقدير والتسوية لَكُمْ اى لا جلكم بمعنى التحصيل لايمانكم ورفع تكذيبكم إياي مِنَ الطِّينِ شيأ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ اى متل صورة الطير فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف اى في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ طَيْراً حيا طيارا كسائر الطيور بِإِذْنِ اللَّهِ بأمره تعالى أشار بذلك إلى أن إحياءه من اللّه تعالى لا منه لان اللّه هو الذي خلق الموت والحياة فهو يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى عليه السلام فيه على سبيل اظهار المعجزات - روى - ان عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة واظهر المعجزات طالبوه بخلق خفاش فاخذ طينا وصوره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض . قال وهب كان يطير ما دام الناس ينظرون اليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل اللّه قيل انما طلبوا خلق الخفاش لأنه أعجب من سائر الخلق ومن عجائبه انه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الحيوان من الطيور ويكون له الضرع ويخرج منه اللبن ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل وانما يرى في ساعتين ساعة بعد غروب الشمس وساعة بعد طلوع الفجر قبل ان يسفر جدا ويضحك كما يضحك الإنسان وله أسنان ويحيض كما تحيض المرأة ولما دل القرآن على أن عيسى عليه السلام انما تولد من نفخ جبريل في مريم وجبريل روح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى سببا للحياة والروح وَأُبْرِئُ اى أشفي وأصحح الْأَكْمَهَ اى الذي ولداعمى . قال الزمخشري لم يوجد في هذه الأمة اكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير وَالْأَبْرَصَ وهو الذي به برص اى بياض في الجلد يتطير به وإذا استحكم فلا برء له ولا يزول بالعلاج ولم تكن العرب تنفر من شئ نفر تهامنه . وانما خصهما بالذكر للشفاء لأنهما مما أعيى الأطباء في تداويهما وكانوا في غاية الحذاقة في زمن عيسى عليه السلام وسألوا الأطباء عنهما . فقال جالينوس وأصحابه إذا ولد أعمى لا يبرأ بالعلاج وكذا الأبرص إذا كان بحال لوغرزت الإبرة فيه لا يخرج منه الدم لا يقبل