الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

31

تفسير روح البيان

ثم قتل يحيى قبل ان رفع عيسى إلى السماء وَسَيِّداً عطف على مصدقا اى رئيسا يسود قومه ويفوقهم في الشرف وكان فائقا للناس قاطبة فإنه لم يهم بمعصية فيالها ما أسناها وَحَصُوراً اى مبالغا في حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة - روى - انه مر في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال ما للعب خلقت . والحصور الممتنع من النساء مع القدرة عليهن وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره وَنَبِيًّا اى يوحى اليه إذا بلغ هو مبلغه مِنَ الصَّالِحِينَ اى ناشئا منهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء عليهم السلام . والصلاح صفة تنتظم الخير كله والمراد به هنا ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة البتة من أقاصي مراتبه قالَ عند نداء الملائكة إياه وبشارتهم له بالولد بالاستفهام متعجبا من حيث العادة ومسرورا بالولد رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي اى كيف يحصل لي غُلامٌ وفيه دلالة على أنه خبر بكونه غلاما عند التبشير وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ اى أدركني كبر السن واثر فىّ وفيه دلالة على أن كبر السن من حيث كونه من طلائع الموت طالب للانسان لا يكاد يتركه قيل كان له تسع وتسعون سنة ولامرأته ثمان وتسعون وَامْرَأَتِي عاقِرٌ اى ذات عقر وعقيم لا تلد قالَ اى اللّه كَذلِكَ إشارة إلى مصدر يفعل في قوله تعالى اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ اى ما يشاء ان يفعله من تعاجيب الأفاعيل الخارقة للعادات . فاللّه مبتدأ ويفعل خبره والكاف في محل النصب على أنها في الأصل نعت لمصدر محذوف اى اللّه يفعل ما يشاء ان يفعله فعلا مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذي هو خلق الولد من شيخ فان وعجوز عاقر قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً اى علامة تدل اى تحقق المسؤول أو وقوع الحبل وانما سألها لان العلوق امر خفى لا يوقف عليه فأراد ان يطلعه اللّه عليه ليتلقى تلك النعمة الجليلة منه حين حصولها بالشكر ولا يؤخره إلى أن يظهره ظهورا معتادا قالَ آيَتُكَ اى علامة حدوث الولد أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ اى ان لا تقدر على تكليمهم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ اى متوالية مع لياليها فان ذكر الليالي أو الأيام يقتضى دخول الأخرى فيها لغة وعرفا وانما جعلت آيته ذلك لتخليص المدة لذكر اللّه وشكره قضاء لحق النعمة إِلَّا رَمْزاً اى إشارة بيد أو رأس أو نحوهما وسمى الرمز كلاما لأنه يؤدى ما يؤدى الكلام ويفهم منه ما يفهم من الكلام فلهذا جاز الاستثناء المتصل منه ثم امره تعالى بذكره لعدم منعه عن ذكر اللّه فقال وَاذْكُرْ رَبَّكَ اى في أيام الحبسة شكرا لحصول التفضل والانعام كَثِيراً اى ذكرا كثيرا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ اى سبحه تعالى اى من الزوال إلى الغروب وَالْإِبْكارِ من طلوع الفجر إلى الضحى قال الامام في قوله تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً فيه قولان . أحدهما انه تعالى امر بحبس لسانه عن أمور الدنيا إلا رمزا فاما في الذكر والتسبيح فقد كان لسانه جيدا وكان ذلك من المعجزات الباهرة . والقول الثاني ان المراد منه الذكر بالقلب وذلك لان المستغرقين في بحار معرفة اللّه تعالى عادتهم في أول الأمر ان يواظبوا على الذكر اللساني مدة فإذا امتلأ القلب من نور ذكر اللّه سكتوا باللسان وبقي الذكر بالقلب ولذلك قالوا من عرف اللّه كل لسانه فكان زكريا عليه السلام امر بالسكوت باللسان والاستحضار معا في الذكر والمعرفة