الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

14

تفسير روح البيان

بما ذكر من أن الدين عند اللّه الإسلام ولم يعمل بمقتضاها فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ قائم مقام جواب الشرط علة له اى ومن يكفر بآياته تعالى فإنه يجازيه ويعاقبه عن قريب فإنه سريع الحساب اى يأتي حسابه عن قريب أو سريع في محاسبة جميع الخلائق لأنه يحاسبهم في أقل من لمحة بحيث يظن كل أحد منهم انه اى اللّه يحاسب نفسه فقط فَإِنْ حَاجُّوكَ اى في كون الدين عند اللّه الإسلام فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ اى أخلصت نفسي وقلبي وجملتى لِلَّهِ وحده لم اجعل فيها لغيره شركا بان اعبده وادعوه الها معه يعنى دين التوحيد وهو القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي وما جئت بشئ بديع حتى تجادلونى فيه وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على المتصل في أسلمت وحسن ذلك لمكان الفصل الجاري مجرى التأكيد بالمنفصل اى واسلم من اتبعني وجوههم أيضا وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى من اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أَ أَسْلَمْتُمْ متبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد آتاكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه لا محالة فهل أسلمتم وعملتم بقضيتها أم أنتم بعد على كفركم وهو استفهام بمعنى الأمر اى اسلموا وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته فهل فهمتها فَإِنْ أَسْلَمُوا اى كما أسلمتم واخلصتم فَقَدِ اهْتَدَوْا اى فازوا بالحظ الأوفر ونجوا من مهاوى الضلال وَإِنْ تَوَلَّوْا اى اعرضوا عن الاتباع وقبول الإسلام فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ قائم مقام الجواب اى لم يضروك شيأ إذ ما عليك الا البلاغ اى التبليغ بالرسالة دون الهداية وقد فعلت على أبلغ وجه - روى - ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على أهل الكتاب قالوا أسلمنا فقال صلى اللّه عليه وسلم لليهود ( أتشهدون ان عيسى كلمة اللّه وعبده ورسوله ) فقالوا معاذ اللّه وقال صلى اللّه عليه وسلم للنصارى ( أتشهدن ان عيسى عبد اللّه ورسوله ) فقالوا معاذ اللّه ان يكون عيسى عبدا وذلك قوله عز وجل وان تولوا وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ عالم بجميع أحوالهم وهو وعد ووعيد إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي آية كانت فيدخل فيهم الكافرون بالآيات الناطقة بحقية الإسلام وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ هم أهل الكتاب قتل اولوهم الأنبياء عليهم السلام وقتلوا اتباعهم وهم راضون بما فعلوا وكانوا حاولوا قتل النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمهم اللّه وقد أشير اليه بصيغة الاستقبال قال في سورة البقرة بِغَيْرِ الْحَقِّ اى بغير الحد الذي حده اللّه واذن فيه والنكرة هاهنا على معنى ان القتل يكون بوجوه من الحق فمعناه يقتلون بغير حق من تلك الحقوق وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ اى بالعدل مِنَ النَّاسِ عن أبي عبيدة بن الجراح رضى اللّه عنه قلت يا رسول اللّه أي الناس أشد عذابا يوم القيامة قال ( رجل قتل نبيا أو رجلا امر بمعروف أو نهى عن منكر ) ثم قرأها ثم قال ( يا أبا عبيدة قتلت بنوا إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول نهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فامروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار ) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ اى وجيع دائم جعل لهم بدل البشارة وهو الاخبار السار الاخبار بالنار وهو كقول القائل تحية بينهم ضرب وجيع أُولئِكَ المتصفون بتلك الصفات