الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
439
تفسير روح البيان
في مراتب الدين كما قال عليه السلام ( من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) وَاتَّقُوا يَوْماً نصب ظرفا تقديره واتقوا عذاب اللّه يوما أو مفعولا به كقوله فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً اى كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر باللّه تُرْجَعُونَ فِيهِ على البناء للمفعول من الرجع اى تصيرون فيه إِلَى اللَّهِ لمحاسبة أعمالكم ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ من النفوس اى تعطى كملا ما كَسَبَتْ اى جزاء ما عملت من خير أو شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ اى لا ينقصون من ثوابهم ولا يزادون على عقابهم وهو حال من كل نفس تفيد ان المعاقبين وان كانت عقوباتهم مؤبدة غير مظلومين في ذلك لما انه من قبل أنفسهم وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما هذه آخر آية نزلت ولقى رسول اللّه ربه بعدها بسبعة أو تسعة أيام أو أحد وعشرين أو أحد وثمانين يوما أو ثلاث ساعات وقال له جبريل عليه السلام ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة فجعلت بين آية الدين وآية الربا تأكيدا للزجر عن الربا - روى - ان رسول صلى اللّه عليه وسلم ولد يوم الاثنين وبعث يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين وكان مريضا ثمانية عشر يوما يعوده الناس وكان آخر ما يقول صلى اللّه عليه وسلم ( الصلاة وما ملكت ايمانكم الصلاة فانا للّه وانا اليه راجعون ) قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب ) وقال عليه السلام ( من كان له فرطان من أمتي ادخله اللّه بهما الجنة ) فقالت له عائشة رضى اللّه عنها فمن كان له فرط من أمتك قال ( ومن كان له فرط يا موفقة ) قالت فمن لم يكن له فرط من أمتك قال ( انا فرط لامتى لن يصابوا بمثلى ) قال تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فكانت حياته ومماته رحمة قال صلى اللّه عليه وسلم ( إذا أراد اللّه بأمة رحمة قبض نبيها قبلها فجعله سلفا وفرطا لها ) ورثاه صلى اللّه عليه وسلم بعض الأنصار فقال الصبر يحمد في المواطن كلها * الا عليك فإنه مذموم * واعلم أن اللّه تعالى جمع في هذه الآية خلاصة ما أنزله في القرآن وجعلها خاتم الوحي والانزال كما أنه جمع خلاصة ما انزل من الكتب على الأنبياء في القرآن وجعله خاتم الكتب كما أن النبي عليه السلام خاتم الأنبياء عليهم السلام وقد جمع فيه اخلاق الأنبياء * فاعلم أن خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى معنيين . أحدهما نجاته من الدركات السفلى . وثانيهما فوزه بالدرجات العليا فنجاته في خروجه عن الدركات السفلى وهي سبعة الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس وفوزه في ترقيه على الدرجات العليا وهي ثمانية المعرفة للّه والتوحيد للّه والعلم والطاعات والأخلاق الحميدة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته فهذه الآية تشير إلى مجموعها اجمالا قوله تعالى وَاتَّقُوا هي لفظة شاملة لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني لان حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن اللّه ومباشرة ما يقربك اليه دليله قول النبي عليه السلام ( جماع التقوى قول اللّه تعالى ان اللّه يأمر بالعدل والإحسان ) الآية فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات السفلى والترقي على الدرجات العليا . فتقوى العوام الخروج عن الكفر بالمعرفة وعن الشرك بالتوحيد