الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
440
تفسير روح البيان
وعن الجهل بالعلم وعن المعاصي بالطاعات وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة وهاهنا ينتهى سير العوام لان نهاية كسب الإنسان وغاية جهد المجتهدين في إقامة شرائط جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا . فمن هاهنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات لنهديهم سبلنا فتخرجهم الجذبة من حجب أوصافهم إلى درجة تجلى صفات الحق فههنا ينقضى سلوك الخواص فيستظلون بظل سدرة المنتهى عندها جنة المأوى فينتفعون من مواهب إذ يغشى السدرة ما يغشى . واما تقوى خواص الخواص فبجذبة رفرف العناية بجذب ما زاغ البصر وما طغى من سدرة منتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجب النفس وبداية أنوار القدس فهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه فبالتقوى الحقيقية يجد الايمان الحقيقي فمعنى وَاتَّقُوا جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم يَوْماً يعنى ليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ أشار بلفظ الرجوع اليه ليعلم ان الشروع كان منه هدانا اللّه وإياكم إلى مقام الجمع واليقين وشرفنا بلطائف التحقيق والتمكين انه نصير ومعين يصيب برحمته من يشاء من عباده الصالحين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ اى إذا داين بعضكم بعضا وعامله نسيئة معطيا أو آخذا كما تقول بايعته إذا بعته أو باعك وفائدة ذكر الدين دفع توهم كون التداين بمعنى المجازاة والتنبيه على تنوعه إلى الحال والمؤجل وانه الباعث على الكتب وتعيين المرجع للضمير المنصوب المتصل بالأمر وهو فاكتبوه إِلى أَجَلٍ متعلق بتداينتم مُسَمًّى بالأيام أو الأشهر أو السنة وغيرها مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بالحصاد والدياس وقدوم الحاج مما لا يرفعها فَاكْتُبُوهُ اى الدين بأجله لأنه أوثق وادفع للنزاع والجمهور على استحبابه وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين لمن يتولاها اثر الأمر بها اجمالا وقوله بينكم للايذان بان الكاتب ينبغي ان يتوسط بين المتداينين ويكتب كلامهما ولا يكتفى بكلام أحدهما بِالْعَدْلِ اى كاتب كائن بالعدل اى وليكن المتصدي للكتابة من شأنه ان يكتب بالتسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين لا يزيد ولا ينقص وهو امر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين يجئ كتابه موثقا به معدلا بالشرع وَلا يَأْبَ كاتِبٌ اى لا يمتنع أحد من الكتاب أَنْ يَكْتُبَ كتاب الدين كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ على طريقة ما علمه اللّه من كتب الوثائق فَلْيَكْتُبْ تلك الكتابة المعلمة امر بها بعد النهى عن ابائها تأكيدا لها وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الإملال هو الاملاء وهو إلقاء المعنى على الكاتب للكتابة اى ليكن المملل اى مورد المعنى على الكاتب من عليه الحق اى الدين لأنه المشهود عليه فلا بد ان يكون هو المقر وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ جمع بين الاسم الجليل والنعت الجميل للمبالغة في التحذير اى وليتق المملى دون الكاتب كما قيل لقوله تعالى وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ اى من الحق الذي يمليه على الكاتب شَيْئاً فإنه هو الذي يتوقع منه البخس خاصة . واما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس وانما شدد في تكليف المملى حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهى عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهي عنه فان الإنسان مجبول على دفع الضرر عن نفسه وتخفيف ما في ذمته فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً ناقص العقل مبذرا مجازفا أَوْ ضَعِيفاً صبيا أو شيخا مختلا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ اى غير مستطيع للاملاء بنفسه لخرس أوعى