الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
411
تفسير روح البيان
بابطالها من قبيل السعي في تحصيل الحاصل واتى بمثال لا يجد اللعين فيه مجالا للتمويه والتلبيس فهو عدول عن مثال إلى مثال آخر لايضاح كلامه وليس انتقالا من دليل إلى دليل آخر لان ذلك غير محمود في باب المناظرة فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ اى صار مبهوتا ومتحيرا مدهوشا وإيراد الكفر في حيز الصلة للاشعار بعلة الحكم والتنصيص على كون المحاجة كفرا * قال في أسئلة الحكم الحكمة في طلوع شمس قرب القيامة من مغربها ان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لنمرود فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وان السحرة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك وانه غير كائن فيطلعها الحق يوما من المغرب ليرى المنكرين قدرته وان الشمس في ملكه ان شاء اطلعها من المشرق أو المغرب وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ اى الذين ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب المخلد بسبب اعراضهم عن قبول الهداية إلى مناهج الاستدلال اى عن قبول الدلائل القطعية الدالة على الحق دلالة واضحة بالغة في الوضوح والقوة إلى حيث جعل الخصم مبهوتا متحيرا فمن ظلم نفسه بالامتناع عن قبول مثل هذه الدلائل لا يجعله اللّه مهتديا بها لان المعتبر في دار التكليف ان يهتدى وقت اختيارهم الكفر والظلم اى لا يخلق فيهم فعل الهداية وهم يختارون فعل الضلال ويحتمل انه لا يهدى طريق الجنة في الآخرة من كفر باللّه في الدنيا - روى - ان النمرود لما عتا عتوا كبيرا والقى إبراهيم في النار بعد هذه المحاجة سلط اللّه على قومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق الا العظام والنمرود كما هو لم يصبه شئ فبعث اللّه بعوضة فدخلت في منخره فمكث أربعمائة سنة تضرب رأسه بالمطارق فعذبه اللّه أربعمائة سنة كما ملك أربعمائة سنة وهو الذي بنى صرحا إلى السماء ببابل فاتى اللّه بنياهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم : قال الشيخ العطار قدس سره سوى أو خصمي كه تير انداخته * پشهء كأرش كفايت ساخته * والإشارة ان اللّه تعالى اعطى النمرود ملكا ما اعطى لاحد قبله ادعى الربوبية ما ادعى بها أحد قبله وذلك ان اللّه اعطى الإنسان حسن استعداد لطلب الكمال فمن حسن استعداده في الطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال فحيثما توجه الكمال أخذ في السير فيها إلى أقصى مراتبها في العلوي والسفلى فان وكل إلى نفسه في طلب الكمال فينظر بنظر الحواس الخمس إلى المحسوسات وهي الدنيا فلا يتصور الا الدنيا فلا يتصور الكمال الا فيها فيأخذ في السير لطلب الكمال وهذا السير موافق لسيره الطبيعي لأنه خلق من تراب والتراب سفلى الطبع فيميل إلى السفليات طبعا والدنيا هي السفل فيسير فيها بقدمي الطبع وطلب الكمال ففي البداية يرى الكمال في جمع المال فيجمعه ثم يرى الكمال في الجاه فيصرف المال في طلب الجاه ثم يرى الكمال في المناصب والحكم ثم يرى في الامارة والسلطنة فيسير فيها ما لم يكن مانع إلى أن يملك الدنيا بأسرها كما كان حال النمرود ثم لا يسكن جوهر الإنسان في طلب الكمال بل كلما ازداد استغناؤه ازداد حرصه وكلما ازداد حرصه ازداد طلبه إلى أن لا يبقى شئ من السفليات دون ان يملكه ثم يقصد العلويات وإلى الآن كان ينازع ملوك الأرض والآن ينازع ملك الملوك ومالك الملك في السماوات والأرض فيدعى الربوبية كالنمرود فإنه كان سبب