الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
409
تفسير روح البيان
يُخْرِجُونَهُمْ بالوساوس وغيرها من طريق الإضلال والإغواء مِنَ النُّورِ اى الايمان الفطري الذي جبلوا عليه كافة إِلَى الظُّلُماتِ اى ظلمات الكفر وفساد الاستعداد والانهماك في الشهوات أو من نور اليقينيات إلى ظلمات الشكوك والشبهات واسناد الإخراج إلى الطاغوت مجاز لكونها سببا له وذلك لا ينافي كون المخرج حقيقة هو اللّه تعالى فالآية لا تصلح أن تكون متمسكا للمعتزلة فيما ذهبوا اليه من أن الكفر ونحوه مما لا يكون أصلح للعبد ليس من اللّه تعالى بناء على أنه أضاف الكفر إلى الطاغوت لا إلى نفسه أُولئِكَ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما يتبعه من القبائح أَصْحابُ النَّارِ اى ملابسوها وملازموها بسبب مالهم من الجرائم هُمْ فِيها خالِدُونَ ما كثون ابدا ولم يقل بعد قوله يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون تعظيما لشأن المؤمنين لان البيان اللفظي لا يفي بما أعد لهم في دار الثواب * واعلم أن مراتب المؤمنين في الايمان متفاوتة وهم ثلاث طوائف . عوام المؤمنين . وخواصهم . وخواص الخواص * فالعوام يخرجهم اللّه من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الايمان والهداية كقوله تعالى وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية الربانية كقوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ واطمئنان القلب بالذكر لم يكن الا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية * وخواص الخواص يخرجهم من ظلمات حدوث الحلقة الروحانية بافنائهم عن وجودهم إلى نور تجلى صفة القدم لهم ليبقيهم به كقوله تعالى إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً الآية نسبهم إلى الفتوة لما خاطروا بأرواحهم في طلب الحق وآمنوا باللّه وكفروا بطاغوت دقيانوس فلما تقربوا إلى اللّه بقدم الفتوة تقرب إليهم بمزيد العناية فأخرجهم من ظلمات النفسانية إلى نور الروحانية فلما تنورت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنت إلى ذكر اللّه وآنست به واستوحشت عن محبة أهل الدنيا وما فيها فاحبوا الخلاء كما كان حال النبي عليه الصلاة والسلام في بدء الأمر قالت عائشة رضى اللّه عنها أول ما بدئ به عليه الصلا والسلام كان حبب اليه الخلاء ولعمري هذا دأب كل طالب محق مريد صادق كذا في التأويلات النجمية * قال الفخر الرازي بطريق الاعتراض ان جمعا من الصوفية يقولون الاشتغال بغير اللّه حجاب عن معرفة اللّه والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون الخلق الا إلى الطاعات والتكاليف فهم يشغلون الخلق بغير اللّه ويمنعونهم عن الاشتغال باللّه فوجب ان لا يكون ذلك حقا وصدقا انتهى كلامه * يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة هذا الاعتراض ليس بشئ فان الطاعات والتكاليف وسائل إلى معرفة اللّه الملك اللطيف فالدعوة ليست الا إلى معرفة اللّه حقيقة ألا يرى إلى تفسير ابن عباس رضى اللّه عنهما عند قوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ بقوله ليعرفون وانما عدل عنه إلى ليعبدون مع أنه خلاف مقتضى الظاهر حينئذ اشعارا بان المعرفة المقبولة هي التي تحصل بطريق العبادة فالاشتغال بغير اللّه وبغير عبادته حجاب أي حجاب ولذلك