الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
403
تفسير روح البيان
من يعقل على غيره أو لما دل عليه من ذا من الملائكة والأنبياء فيكون للعقلاء خاصة وَلا يُحِيطُونَ اى لا يدركون يعنى من الملائكة والأنبياء وغيرهم بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ اى من معلوماته إِلَّا بِما شاءَ ان يعلموه وان يطلعهم عليه كاخبار الرسل فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول وانما فسرنا العلم بالمعلوم لان علمه تعالى الذي هو صفة قائمة بذاته المقدسة لا يتبعض فجعلناه بمعنى المعلوم ليصح دخول التبعيض والاستثناء عليه * وفي التأويلات النجمية يَعْلَمُ محمد عليه السلام ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من الأمور الأوليات قبل خلق اللّه الخلائق كقوله ( أول ما خلق اللّه نوري ) وَما خَلْفَهُمْ من أهوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي وحوالة الخلق بعضهم إلى بعض حتى بالاضطرار يرجعون إلى النبي عليه السلام لاختصاصه بالشفاعة وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ يحتمل أن تكون الهاء كناية عنه عليه السلام يعنى هو شاهد على أحوالهم يعلم ما بين أيديهم من سيرهم ومعاملاتهم وقصصهم وما خلفهم من أمور الآخرة وأحوال أهل الجنة والنار وهم لا يعلمون شيأ من معلوماته إِلَّا بِما شاءَ ان يخبرهم عن ذلك انتهى * قال شيخنا العلامة أبقاه اللّه بالسلامة في الرسالة الرحمانية في بيان الكلمة العرفانية علم الأولياء من علم الأنبياء بمنزلة قطرة من سبعة أبحر وعلم الأنبياء من علم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بهذه المنزلة وعلم نبينا من علم الحق سبحانه بهذه المنزلة انتهى وفي القصيدة البردية وكلهم من رسول اللّه ملتمس * غرفا من البحر أو رشفا من الديم وواقفون لديه عند حدهم * من نقطة العلم أو من شكلة الحكم حاصله ان علوم الكائنات وان كثرت بالنسبة إلى علم اللّه عز وجل بمنزلة نقطة أو شكلة ومشربها بحر روحانية محمد صلى اللّه عليه وسلم فكل رسول ونبي وولى آخذون بقدر القابلية والاستعداد مما لديه وليس لأحد ان يعدوه أو يتقدم عليه . قوله النقطة فعلة من نقطت الكتاب نقطا ومعناها الحاصل . والشكلة بالفتح فعلة من شكلت الكتاب قيدته بالاعراب وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الكرسي ما يجلس عليه من الشيء المركب من خشبات موضوعة بعضها فوق بعض ولا يفضل على مقعد القاعد وكأنه منسوب إلى الكرس الذي هو الملبد وهو ما يجعل فيه اللبدة اى لم يضق كرسيه عن السماوات والأرض لبسطته وسعته وما هو الا تصوير لعظمته وتمثيل مجرد ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد . وتقريره انه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم كما جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم وامر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم وذكر في الحجر الأسود انه يمين اللّه تعالى في ارضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء فوضع الميزان وعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا فقال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ثم أثبت لنفسه كرسيا فقال وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ والحاصل ان كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه في العرش والكرسي فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر ولما توافقت