الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

398

تفسير روح البيان

قالته العرب قول لبيد ألا كل شئ ما خلا اللّه باطل وهذه الكلمة فوائد ليست في غيرها فان كل كلمة إذا أسقطت منها حرفا يختل المعنى بخلاف هذه فإنك ان حذفت الألف يصير للّه قال تعالى لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وان حذفت اللام الأولى أيضا يبقى له قال تعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وان حذفت اللام الثانية أيضا يبقى الهاء وهو ضمير راجع إلى اللّه تعالى قال تعالى هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وللأسماء تأثير بليغ خصوصا للفظة الجلالة * قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره لما جاء المولى علاء الدين الخلوتى ببروسة صعد المنبر في الجامع الكبير للوعظ وقد اجتمع جمع كثير منتظرين لكلامه فقال مرة واحدة « يا اللّه » فحصل للجماعة حالة رقصوا وكادوا لا يرجعون عن البكاء والفزع - وحكى - انه لما مات سلطان العصر عزم جماعة الرجال على قتل الوزير فجاء بيت الشيخ وفاء في القسطنطنية واستغاث منه فأدخله الشيخ إلى بيته فهجموا جميعا إلى بيت الشيخ فخرج الشيخ وقال مرة واحدة « يا اللّه » فهربوا جميعا فانظر انهم إذا ذكروا اللّه تظهر آثار عجيبة ونحن إذا ذكرنا ذلك الاسم بعينه لا يظهر له اثر وذلك لأنهم زكوا أنفسهم وبدلوا أخلاقهم واما نحن فليس فينا هذا ولا القابلية لذلك وانما الفيض من اللّه تعالى : قال الحافظ فيض روح القدس ار باز مدد فرمايد * ديكران هم بكنند آنچه مسيحا ميكند لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الجملة خبر للمبتدأ وهو الجلالة والمعنى انه المستحق للعبادة لا غير - وحكى - ان تسبيح قطب الأقطاب « يا هو ويا من هو هو ويا من لا إله إلا هو » فإذا قال ذلك بطريق الحال يقدر على التصرفات * وللتوحيد ثلاث مراتب . توحيد المبتدئين لا اله الا اللّه . وتوحيد المتوسطين لا إله إلا أنت لأنهم في مقام الشهود فمقتضاه الخطاب . واما الكمل فيسمعون التوحيد من الموحد وهو لا اله الا انا لأنهم في مقام الفناء الكلى فلا يصدر منهم شئ أصلا * قال ابن الشيخ في حواشي سورة الإخلاص لفظ هو إشارة إلى مقام المقربين وهم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي فلا جرم ما رأوا موجودا سوى اللّه لان الحق هو الذي لذاته يجب وجوده واما ما عداه فممكن والممكن إذا نظر اليه من حيث هو هو كان معدوما فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه وكلمة هو وان كانت للإشارة المطلقة ومفتقرة في تعين المراد بها إلى سبق الذكر بأحد الوجوه أو إلى أن يعقبها ما يفسرها الا انهم يشيرون إلى الحق سبحانه ولا يفتقرون في تلك الإشارة إلى ما يميز الذات المرادة عن غيرها لان الافتقار إلى المميز انما يحصل حيث وقع الإبهام بان يتعدد ما يصلح لان يشار اليه وقد بينا انهم لا يشاهدون بعيون عقولهم الا الواحد فقط فلهذا السبب كأنه لفظة هو كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء انتهى كلامه وانما ذكرته هاهنا ليكون حجة على من أنكر على جماعة الصوفية في كلمة هو ذاهبا إلى أنها ضمير ولا فائدة في الذكر به وقد سبق منى عند قوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ما ينفك في هذا المقام قال شيخى وسندى الذي بمنزلة روحي في جسدي الذكر ب « لا اله الا اللّه » أفضل من الذكر بكلمة « اللّه اللّه » و « هو هو » عند العلماء باللّه لأنها جامعة بين النفي والإثبات وحاوية لزيادة العلم والمعرفة فمن نفى بلا اله عين الخلق حكما لا علما فقد أثبت كون الحق