الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

38

تفسير روح البيان

والحيوانية والنباتية وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وانفاق الموجود من انانية الوجود الذي هو من شرط المصلين كقوله تعالى وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ الرزق في اللغة العطاء * وفي العرف ما ينتفع به الحيوان وهو تناول الحلال والحرام عند أهل السنة والقرينة تخصصه هاهنا بالحلال لان المقام مقام المدح وتقديم المفعول للاهتمام به والمحافظة على رؤس الآي وإدخال من التبعيضية عليه للكف عن الإسراف المنهي عنه وصيغة الجمع في رزقنا مع أنه تعالى واحد لا شريك له لأنه خطاب الملوك واللّه تعالى مالك الملك وملك الملوك والمعهود من كلام الملوك أربعة أوجه الاخبار على لفظ الواحد نحو فعلت كذا وعلى لفظ الجمع فعلنا كذا وعلى ما لم يسم فاعله رسم لكم كذا وإضافة الفعل إلى اسمه على وجه المغايبة أمركم سلطانكم بكذا والقرآن نزل بلغة العرب فجمع اللّه فيه هذه الوجوه كلها فيما اخبر به عن نفسه فقال تعالى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً على صيغة الواحد وقال تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ على صيغة الجمع وقال فيما لم يسم فاعله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وأمثاله وقال في المغايبة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وأمثاله كذا في التيسير * ويقول الفقير جامع هذه اللطائف سمعت من شيخى العلامة أبقاه اللّه بالسلامة ان الافراد بالنظر إلى الذات والجمع بالنظر إلى الأسماء والصفات ولا ينافي كثرة الأسماء والصفات وحدة الذات إذ كل منها راجع إليها والانفاق والانفاد اخوان خلا ان في الثاني معنى الاذهاب بالكلية دون الأول والمراد بهذا الانفاق الصرف إلى سبيل الخير فرضا كان أو نفلا ومن فسره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه أو خصصه بها لاقترانه بما هي شقيقتها وأختها وهي الصلاة وقد جوز ان يراد به الانفاق من جميع المعادن التي منحهم اللّه إياها من النعم الظاهرة والباطنة ويؤيده قوله صلى اللّه عليه وسلم ( ان علما لا ينال به ككنز لا ينفق منه ) واليه ذهب من قال في تفسير الآية ومما خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون والأظهر ان يقال المراد من النفقة هي الزكاة وزكاة كل شئ من جنسه كما روى عن انس بن مالك ( زكاة الدار ان يتخذ فيها بيت للضيافة ) كما في الرسالة القشيرية * قالوا انفاق أهل الشريعة من حيث الأموال وانفاق أرباب الحقيقة من حيث الأحوال : قال المولى جلال الدين قدس سره آن درم دادن سخى را لايق است * جان سپردن خود سخاى عاشق است وانفاق الأغنياء من أموالهم لا يدخرونها عن أهل الحاجة وانفاق العابدين من نفوسهم لا يدخرونها عن وظائف الخدمة وانفاق العارفين من قلوبهم لا يدخرونها عن حقائق المراقبة وانفاق المحبين من أرواحهم لا يدخرونها عن مجارى الأقضية * والأقصر ان يقال انفاق الأغنياء إخراج المال من الجيب وانفاق الفقراء إخراج الأغيار من القلب ثم ذكر في الآية الايمان وهو بالقلب ثم الصلاة وهي بالبدن ثم الانفاق وهو بالمال وهو مجموع كل العبادات ففي الايمان النجاة وفي الصلاة المناجاة وفي الانفاق الدرجات وفي الايمان البشارة وفي الصلاة الكفارة وفي الانفاق الطهارة وفي الايمان العزة وفي الصلاة القربة وفي الانفاق الزيادة * وقيل ذكر في هذه الآية أربعة أشياء التقوى والايمان بالغيب وإقامة الصلاة والانفاق وهي