الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
378
تفسير روح البيان
ان القيم بعد موسى بأمر بني إسرائيل كان يوشع بن نون ثم كالب بن يوحنا ثم حزقيل وكان يقال له ابن العجوز لان أمه كانت عجوزا فسألت اللّه الولد بعد ما كبرت وعقمت فوهبه اللّه لها * وقال الحسن هو ذو الكفل وسمى حزقيل ذا الكفل لأنه كفل سبعين نبيا وأنجاهم من القتل وقال لهم اذهبوا فانى ان قتلت كان خيرا لكم من أن تقتلوا جميعا فلما جاء اليهود وسألوا ذا الكفل عن الأنبياء السبعين قال إنهم ذهبوا ولا أدرى اين هم ومنع اللّه تعالى ذا الكفل من اليهود بفضله وكرمه فلما مر حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم لكثرة ما يرى فجعل يتفكر فيهم متعجبا فأوحى اللّه اليه أتريد ان أريك آية قال نعم فقال اللّه نادايتها العظام ان اللّه يأمرك ان تجتمعى فاجتمعت من أعلى الوادي وأدناه حتى التزق بعضها ببعض فصارت أجسادا من عظام لا لحم ولا دم ثم أوحى اللّه اليه نادايتها الأرواح ان اللّه يأمرك ان تقومى فقاموا وبعثوا احياء يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت فبقيت فيهم بقايا من ريح النتن حتى أنه بقي في أولاد ذلك السبط من اليهود إلى اليوم ثم إنهم رجعوا إلى بلادهم وقومهم وعاشوا دهرا سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي ثبتت لهم وفائدة القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض لأسباب الشهادة وحثهم على التوكل والاستسلام وان الموت حيث لم يكن منه بد ولم ينفع منه المفر فأولى ان يكون في سبيل اللّه إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عظيم عَلَى النَّاسِ قاطبة اما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة العظمى واما الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبار والاستبصار وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ فضله كما ينبغي لعجز بعضهم وكفر بعضهم وَقاتِلُوا الخطاب لهذه الأمة وهو معطوف على مقدر تقديره فأطيعوا وقاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاعلاء دينه متيقنين ان الفرار من الموت غير مخلص وان القدر واقع فلا تحرموا من أحد الحظين اما النصر والثواب واما الموت في سبيل اللّه الملك الوهاب وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع مقالة السابقين إلى الجهاد من ترغيب الغير فيه ومقالة المتخلفين عنه من تنفير الغير عَلِيمٌ بما يضمرونه في أنفسهم يعلم أن خلف المتخلف لأي غرض وان جهاد المجاهد لأي سبب وانه لأجل الدين أو الدنيا وهو من وراء الجزاء ثم إن قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ رد لتقبيح حال هؤلاء الذين خرجوا وقد جعل اللّه جزاء خروجهم الموت والخيبة في رجائهم الخلاص وكل ذلك يدل على كراهية الفرار فثبت بهذه الآية فضيلة الفرار وفائدته وفي الحديث ( الفار من الطاعون كالفار من الزحف ) وهذا الحديث يدل على أن النهى عن الخروج للتحريم وانه من الكبائر * قيل إن عبد الملك هرب من الطاعون فركب ليلا واخرج غلاما معه فكان ينام على دابته فقال للغلام حدثني فقال من انا حتى أحدثك فقال على كل حال حدث حديثا سمعته فقال بلغني ان ثعلبا كان يخدم أسدا ليحميه ويمنعه مما يريده فكان يحميه فرأى الثعلب عقابا فلجأ إلى الأسد فأقعده على ظهره فانقض العقاب واختلسه فصاح الثعلب يا أبا الحارث أغثني واذكر عهدك لي فقال انما أقدر على منعك من أهل الأرض فاما أهل السماء فلا سبيل إليهم فقال عبد الملك وعظتني وأحسنت وانصرف ورضى بالقضاء