الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

369

تفسير روح البيان

شرعا وهي ما تكون بطريق التعريض والتلويح وَلا تَعْزِمُوا العزم عبارة عن عقد القلب على فعل من الافعال يتعدى بنفسه وبعلى * قال الراغب ودواعي الإنسان إلى الفعل على مراتب السانح ثم الخاطر ثم التفكر فيه ثم الإرادة ثم الهمة ثم العزم فالهمة اجماع من النفس على الأمر والعزم هو العقد على إمضائه عُقْدَةَ النِّكاحِ اى لا تعزموا عقد عقدة النكاح لان العزم عبارة عن عقد القلب على فعل فلا يتعلق الا بالفعل والإضافة في قوله عقدة النكاح بيانية فلا تكون العقدة بمعنى ربط المكلف اجراء التصرف بل المراد به الحاصل بالمصدر وهو الارتباط الشرعي الحاصل بعقد العاقدين والمقصود النهى عن تزوج المعتدة في زمان عدتها الا انه نهى عن العزم على عقد النكاح للمبالغة في النهى عن النكاح في زمان العدة فان العزم على الشيء متقدم عليه والنهى عن مقدمات الشيء يستلزم النهى عن ذلك الشيء بطريق الأولى حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ الكتاب بمعنى المكتوب وهو المفروض والمعنى حتى تبلغ العدة المفروضة آخرها وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم على ما لا يجوز فَاحْذَرُوهُ بالاجتناب عن العزم ابتداء وإقلاعا عنه بعد تحققه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن عزم ولم يفعل خشية من اللّه تعالى حَلِيمٌ لا يعاجلكم بالعقوبة فلا تستدلوا بتأخيرها على أن ما نهيتم عنه من العزم ليس مما يستتبع المؤاخذة فاجتنبوا أسباب العقوبة واعملوا بما أمركم به ربكم واغتنموا زمان الحياة حتى لا تتأسفوا كما قال المفرطون المتحسرون چون توانستم ندانستم چه سود * چون بدانستم توانستم نبود وقد وبخ اللّه تعالى من مال إلى شهواته وهوى نفسه في هذه الآيات من غير أن يكون له رخصة شرعية فلا بد للعاقل ان يختار رضي اللّه تعالى على رضى نفسه ولا يكون له مطلب أعلى من مال أو امرأة أو غيرهما الا اللّه تعالى قال عليه الصلاة والسلام ( من كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر اليه ) فتأمل كيف جعل جزاء كل مؤمّل ما أمله وثواب كل قاصد ما قصده واعتبر كيف لم يكرر ذكر الدنيا اشعارا بعدم اعتبارها لخساستها ولان وجودها لعب ولهو فكأنه كلا وجود وانظر إلى قوله عليه السلام ( فهجرته إلى ما هاجر اليه ) وما تضمن من ابعاد ما سواه تعالى وتدبر هذا الأمر إذ ذكر الدنيا والمرأة مع أنها منها يشعر بان المراد كل شئ في الدنيا من شهوة أو مال وان المراد بالحديث الخروج عن الدنيا بل وعن كل شئ للّه * قال أبو سليمان الدار انى قدس سره ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا طلب معاش أو تزوج امرأة أو كتب الحديث * واعلم أنه ينبغي لطالب الحق ان يحصل من العلوم الشرعية ما يفرق به بين الحق والباطل ويشتغل بالعلوم الرسمية والقوانين المتداولة قدر ما يقدر على استخراج الحديث والتفسير من غير تعمق في الفلسفيات وغوامض العلوم فإنه زائد على قدر الكفاية منهى عنه على أصول أهل الشريعة والطريقة فهذا أول الأمر في هذا الباب . واما امر النهاية وهو ما بعد التحصيل والتكميل فان السالك بقدر اشتغاله بالعلوم الظاهرة زاد بعدا عن درك الحق لان السلوك يبتنى على التخلي والانقطاع وترك الكلام والاستماع وتفريغ الباطن من العلائق ولو كانت علوما وطرح المشاغل