الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

360

تفسير روح البيان

ولم يرد حقيقة انقضاء العدة لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها بالمعروف نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ اى راجعوهن من غير طلب إضرار لهن بالرجعة . والمعروف ما ألفته العقول واستحسنته النفوس شرعا وعرفا وعادة والمراد به هنا حسن المعاشر أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو خلوهن حتى تنقضى عدتهن من غير تطويل وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً اى ولا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن بتطويل العدة والحبس على أن يكون انتصاب ضرارا على العلة أو مضارين على الحال * فان قلت لا فرق بين قوله فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وبين قوله لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لان الأمر بالشيء نهى عن ضده فما الفائدة في التكرار * قلت إن الأمر لا يفيد التكرار ولا يدل على كون امتثال المأمور به مطلوبا في كل الأوقات فدل لا تمسكوهن على المبالغة في التوصية بالإمساك بالمعروف لدلالته على أن الإمساك المذكور مطلوب منه في جميع الأوقات لِتَعْتَدُوا متعلق بضرارا إذ المراد تقييده اى لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى ما ذكر من الإمساك المؤدى إلى الظلم فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ في ضمن ظلمه لهن بتعريضها للعقاب وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ المنطوية على الأحكام المذكورة أو جميع آياته وهي داخلة فيها دخولا أوليا هُزُواً اى مهزوا بها بالاعراض عنها والتهاون في العمل بما فيها والنهى كناية عن الأمر بضده لان المخاطبين مؤمنون ليس من شأنهم الهزؤ بآيات اللّه اى جدوا في الاخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها : قال الحكيم السنائي قدس سره دانشت هست وكار بستن كو * خنجرت هست وصف شكستن كو ولما رغبهم في رعاية التكاليف والعمل بها بالتهديد على التهاون بها أكد ذلك الأمر بذكر نعم اللّه عليهم بان يشكروها ويقوموا بحقوقها فقال وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كائنة عَلَيْكُمْ حيث هداكم إلى ما فيه سعادتكم الدينية والدنيوية اى قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها وقيل واذكروا انعام اللّه عليكم بان خلقكم رجالا وجعل لكم أزواجا تسكنون إليها وجعل النكاح والطلاق والرجعة بأيديكم ولم يضيق عليكم كما ضيق على الأولين حين أحل لهم امرأة واحدة ولم يجوز لهم بعد موت المرأة نكاح أخرى وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ عطف على نعمة اللّه اى وما أنزله اللّه عليكم مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ اى القرآن والسنة أفردهما بالذكر إظهارا لشرفهما يَعِظُكُمْ بِهِ اى بما انزل عليكم حال من فاعل انزل وهو ضمير انزل اى اذكروا نعمة اللّه وما أنزله عليكم واعظا به لكم ومخوفا وَاتَّقُوا اللَّهَ في شأن المحافظة عليه والقيام بحقوقه الواجبة وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فلا يخفى عليه شئ مما تأتون وما تذرون فيؤاخذكم بافانين العذاب * والإشارة في الآية ان الأذية والمضارة ليست من الإسلام ولا من آثار الايمان ولا من شعار المسلمين عموما كما قال عليه السلام ( المؤمن من امنه الناس ) وقال ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا . فاما الزوجان ففيهما خصوصية بالأمر بحسن المعاشرة معهن وترك اذيتهن والمغايظة معهن على وجه اللجاج فاما