الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
356
تفسير روح البيان
بالاصطناع وان كان من العبد الفصل والانقطاع ويمهل العبد إلى انقضاء عدة الجفاء ولا يعرض عنه سريعا لإقامة شرط الوفاء لعل العبد في مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته في ضمير قلبه من نتائج محبة ربه وان ابتلاه بمحنة الفرقة فيقرع بإصبع الندامة باب التوبة ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والاوبة فيقال من كمال الفضل والنوال يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طلب منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا الطَّلاقُ اى التطليق الرجعى المتقدم ذكره الذي قال تعالى فيه وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ مَرَّتانِ اى دفعتان وذلك لا يكون الا على سبيل التفريق فان من اعطى إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال أعطاه مرتين حتى يعطيه إياهما دفعتين فالجمع بين الطلقتين والثلاث في الإيقاع حرام عند أبى حنيفة رحمه اللّه الا انه سنى الوقوع لا سنى الإيقاع فالطلاق الذي يثبت فيه للزوج حق المراجعة هو ان يوجد طلقتان فقط واما بعد الطلقتين بان طلق ثلاثا فلا يثبت للزوج حق الرجعة البتة ولا تحل له المرأة الا بعد زوج آخر ثم قوله الطَّلاقُ مَرَّتانِ وان كان ظاهره الخبر فان معناه الأمر لان حمله على ظاهره يؤدى إلى وقوع الخلف في خبر اللّه تعالى لأنه قد يوجد إيقاع الطلاق على وجه الجمع ولا يجوز الخلف في خبر اللّه فكان المراد منه الأمر كأنه قيل طلقوهن مرتين اى دفعتين فَإِمْساكٌ اى فالحكم بعد هاتين الطلقتين إمساك لهن بِمَعْرُوفٍ وهو ان يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الإصلاح وحسن المعاشرة أَوْ تَسْرِيحٌ اى تخلية بِإِحْسانٍ بان يترك المراجعة حين تبين بانقضاء العدة . ومعنى الإحسان في التسريح انه إذا تركها أدى إليها حقوقها المالية ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها وجملة الحكم في هذا الباب ان الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها يجوز له ان يراجعها من غير رضاها ما دامت في العدة وان لم يراجعها حتى تنقضى عدتها أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها فلا تحل له الا بنكاح جديد بإذنها واذن وليها فان طلقها ثلاثا فلا تحل له ما لم تنكح زوجا غيره واما العبد إذا كانت تحته أمة فطلقها طلقتين فإنها لا تحل له الا بعد نكاح زوج آخر والاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق عند أبى حنيفة رحمه اللّه فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على زوجته الأمة إلا طلقتين وَلا يَحِلُّ لَكُمْ - روى - ان جميلة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس فاتت رسول اللّه عليه السلام وقالت لا انا ولا ثابت ولا يجمع رأسي ورأسه شئ واللّه ما اعيبه في دين ولا خلق ولكني اكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بعضا انى رفعت جانب الخباء فرأيته اقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها فنزلت فاختلعت منه بحديقة أصدقها اى سماها ثابت صداقا لها يعنى لما قالت جميلة ما قالت قال ثابت يا رسول اللّه مرها فلترد على الحديقة التي أعطيتها فقال عليه السلام لها ( ما تقولين ) قالت نعم وأزيده فقال عليه السلام ( لا حديقته فقط ) ثم قال لثابت ( خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها ) ففعل وكان ذلك أول خلع في الإسلام . والخطاب في لكم مع الاحكام ليطابق قوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فإنه خطاب مع الحكام والحكام وان لم يكونوا آخذين ومؤتين حقيقة الا انهم هم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الذين يأخذون