الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

357

تفسير روح البيان

ويؤتون أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ اى تأخذوا منهن بمقابلة الطلاق ما أعطيتموهن من المهور شَيْئاً اى نزرا يسيرا فضلا عن استرداد الكثير إِلَّا أَنْ يَخافا اى الزوجان أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ اى ان لا يراعيا مواجب الزوجية . قوله إِلَّا أَنْ يَخافا استثناء مفرغ وان يخافا محله النصب على أنه مفعول من اجله مستثنى من العام المحذوف تقديره ولا يحل لكم ان تأخذوا بسبب من الأسباب شيأ الا بسبب خوف عدم إقامة حدود اللّه فَإِنْ خِفْتُمْ أيها الحكام أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ اى الحقوق التي أثبتها النكاح وذلك بمشاهدة بعض الأمارات والمخايل فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ اى فيما أعطته المرأة من بدل الخلع لا على الزوج في أخذ ما فدت به نفسها ولا عليها في إعطائه إياه هذا إذا كان النشوز من قبل المرأة لأنها ممنوعة عن إتلاف المال بغير حق اما إذا كان النشوز من قبل الزوج فلا يحل له ان يأخذ شيأ مما آتاها لقوله تعالى فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ولا يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء فان ذلك منهى عنه قال تعالى في سورة النساء وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ وعموم قوله تعالى فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ يشعر بجواز المخالعة على قدر المقبوض من الزوج وعلى الأزيد والأقل وعليه جمهور الفقهاء ثم إن ظاهر الآية انه لا يباح الخلع الا عند الغضب والخوف وجمهور المجتهدين على جوازه في حالة الخوف وفي غير حالة الخوف فلا بد حينئذ ان يجعل‌قوله إِلَّا أَنْ يَخافا استثناء منقطعا كما في قوله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً اى لكن ان قتل خطأ فدية مسلمة إلى أهله * قال البغوي ويجوز الخلع في غير حال النشوز غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا سبب قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( ان من ابغض الحلال إلى اللّه الطلاق ) تِلْكَ اى الأحكام المذكورة حُدُودَ اللَّهِ أوامره ونواهيه فَلا تَعْتَدُوها اى لا تتجاوزوا عنها بالمخالفة والرفض وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ المتعدون هُمُ الظَّالِمُونَ اى لأنفسهم بتعريضها لسخط اللّه وعقابه * اعلم أن المرأة إذا برئت من مواقع الخلل واتصفت بالعفة فعلى الزوج ان يعاشرها بالمعروف ويصبر على سائر أوضاعها وسوء خلقها ويتأدب بآداب النبي صلى اللّه عليه وسلم وكان عليه السلام يحسن المعاشرة مع أزواجه المطهرة فحسن معاشرتهن والصبر عليهن مما يحسن الأخلاق فلا جرم يعد الصابر من المجاهدين في سبيل اللّه - روى - ان بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته إلى أن ماتت وعرض عليه التزويج فامتنع وقال الوحدة أروح لقلبى قال فرأيت في المنام بعد جمعة من وفاتها كأن أبواب السماء قد فتحت وكأن رجالا ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضا فكلما نظر إلى واحد منهم يقول لمن وراءه هذا هو المشئوم فيقول الآخر نعم ويقول الثالث كذلك فخفت ان اسألهم إلى أن مر بي آخرهم فقلت له من هذا المشئوم فقال أنت قلت ولم قال كنا نرفع عملك مع اعمال المجاهدين في سبيل اللّه تعالى فمنذ جمعة أمرنا ان نضع عملك مع المخالفين فلا ندري ما أحدثت فقال لاخوانه زوجوني فلم يكن يفارقه زوجتان أو ثلاث : قال الكاشفي مردى گمان مبر كه بزورست وپر دلى * با نفس اگر جهاد كنى مرد كاملى ولا يتيسر هذا الا لواحد بعد واحد كما قيل وللحروب رجال وان أنت تريد الطلاق فطلق نفسك : كما قيل