الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

298

تفسير روح البيان

القربة بها يرفع الدعاء إلى اللّه كما قال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ويزكى الروح عن دنس الالتفات لغير اللّه ليتعرض لنفخات الطافه ويزكى السر عن وصمة الشرك بان يوجهه إلى الحق في الدعاء لطلب الحق لا لطلب غير الحق من الحق ليستجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه كما قال ( ألا من طلبنى وجدني ومن طلب غيرى لم يجدنى ) وان اللّه وعد الإجابة على طلبه بالدعاء فقال أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ اى إذا طلبنى : قال السعدي خلاف طريقت بود كاوليا * تمنا كنند از خدا جز خدا فمن أخل ببعض هذه الشرائط لم يلزمه الإجابة كمن أخل بركن من أركان الصلاة لم يلزمه القبول الا ان الجبار يجبر كل خلل وكسر يكون في اعمال العباد بفضله وكرمه وفي الحقيقة ان أفضاله مع العباد مقدم على أعمالهم وانه يعطى قبل السؤال ويحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال والدعاء على قسمين داع بالدعاء وقارئ للدعاء فللداعى يفتح أبواب السماوات حتى يبلغ دعاؤه العرش وقارئ الدعاء لا يبلغ الا الاذن * قال الفناري في تفسير الفاتحة ثم لصحة التصور وجودة الاستحضار اثر عظيم في الإجابة اعتبره النبي عليه الصلاة والسلام وحرض عليه عليا رضي اللّه تعالى عنه لما علمه الدعاء وفيه اللهم اهدني وسددنى فقال له اذكر بهدايتك هداية الطريق وبالسداد سداد السهم فامره باستحضار هذين الامرين وقت الدعاء فهذا هو سر إجابة دعاء الرسل والكمل والأمثل فالأمثل واستقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوى في الإجابة فمن تصوره تصورا صحيحا من رؤية وعلم سابقين أو حاضرين حال الدعاء ثم دعاه سيما بعد امره له بالدعاء والتزامه الإجابة فإنه يجيبه لا محالة اما من زعم أنه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الإجابة فلا يلومن الا نفسه إذ لم يناد القادر على الإجابة وانما توجه إلى ما أنشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه إذ ذاك لكن سؤاله قد يثمر بشفاعة حسن ظنه بربه وشفاعة المعية الإلهية وحيطته فالمتوجه بالخطأ مصيب من وجه كالمجتهد المخطئ مأجور غير محروم بالكلية انتهى كلام الفناري * وفي رسالة القشيري في الخبر المروي ( ان العبد يدعو اللّه سبحانه وهو يحبه فيقول يا جبريل اخر حاجة عبدي فانى أحب ان اسمع صوته وان العبد ليدعوه وهو يبغضه فيقول يا جبريل اقض حاجة عبدي فانى اكره ان اسمع صوته ) - حكى - انه وقع ببغداد قحط فامر الخليفة المسلمين بالخروج للاستسقاء فخرجوا واستسقوا فلم يسقوا فامر اليهود فخرجوا وسقوا فتحيرا الخليفة ودعا علماء المسلمين وسألهم فلم يفرجوا عنه فجاء سهل ابن عبد اللّه وقال يا أمير المؤمنين انا معاشر المسلمين أحبنا اللّه لدين الإسلام وهدانا ويحب دعاءنا وتضرعنا فلهذا لم يعجل اجابتنا وهؤلاء ابغضهم ولعنهم فلهذا عجل اجابتهم وصرفهم عن بابه قال عليه السلام ( قوام الدنيا بأربعة أشياء بعلم العلماء وعدل الأمراء وسخاوة الأغنياء ودعوة الفقراء ) وينبغي ان يسأل اللّه تعالى بأسمائه الحسنى العظام والأدعية المأثورة عن السلف الكرام وينبغي ان يتوسل إلى اللّه تعالى بالأنبياء والأولياء الصالحين * وللدعاء أماكن يظن فيها الإجابة مثلا عند رؤية الكعبة والمساجد الثلاثة وبين الجلالتين من سورة الأنعام وفي الطواف وعند الملتزم وفي البيت وعند زمزم وعند شرب مائه وعلى الصفا والمروة