الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

297

تفسير روح البيان

هذا الكرم لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ راجين إصابة الرشد وهو الاهتداء لمصالح الدين والدنيا ومعنى الآية انهم إذا استجابوا وآمنوا اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم لان الرشيد من كان كذلك * اعلم أن عدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند أهل الشريعة والطريقة لأنه كالمقاومة مع اللّه ودعوى ؟ ؟ لمشاقه : وفي المثنوى تا فرود آيد بلا بي دافعى * چون نباشد از تضرع شافعي فالتسبب واجب للعوام والمبتدئين في السلوك والتوكل أفضل للمتوسطين . واما الكاملون فليس يمكن حصر أحوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان - روى - ان إبراهيم الخليل عليه السلام لما القى في النار لقيه جبريل في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا فقال فاسأل اللّه الخلاص فقال عليه السلام حسبي من سؤالي علمه بحالي وهذا مقام أهل الحقيقة من المكملين الفانين عن الوجود وما يتعلق به والباقين بالرب في كل حال فأين أنت من هذا فاسأل اللّه عفوه ومغفرته وقد كان رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يكلم الناس بقدر مراتبهم ولذا قال لاعرابى أرسل إبلا له توكلا عليه تعالى ( اعقلها وتوكل على اللّه ) امر بعقل الدابة لأنه أراد بالتوكل التحرز عن الفوات وحث بعضهم على التوكل كتوكل الطير وذلك إذا لم يسكن إلى سابق القضاء * ثم إجابة الدعاء وعد صدق من اللّه لا خلف فيه ومن دعا بحاجة فلم تقض للحال فذلك لوجوه . منها ان الإجابة حاصلة لا محالة فان إجابة الدعوة غير قضاء الحاجة وقضاء الحاجة غير إجابة الدعوة فان إجابة الدعوة هو ان يقول العبد يا رب فيقول اللّه تعالى له لبيك عبدي وهذا موعود موجود لكل متوجه راشد وقضاء الحاجة إعطاء المراد وإيصال المرتاد وذلك قد يكون للحال وقد يكون بعد مدة وقد يكون في الآخرة وقد يكون الخيرة له في غيره . ومنها ان الإجابة ليست بجهة واحدة بل لها جهات وفي الحديث ( دعوة المسلم لا ترد الا لاحدى ثلاث اما ان يدعو بإثم أو قطعية رحم واما ان يدخر له في الآخر واما ان يصرف السوء عنه بقدر ما دعا ) . ومنها ان الإجابة مقيدة بالمشيئة كما سبق . ومنها انه شرط لهذه الإجابة إجابة العبد إياه فيما دعاه اليه لقوله تعالى فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي . ومنها ان للدعاء شرائط وآدابا وهي أسباب الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة ومن أخل بها كان من أهل الاعتداء فلا يستحق الجواب والأسباب منها ما يتعلق باهل العموم ويطول ذكرها ان استوفيت هاهنا . ومنها ما يتعلق بالخصوص وهي التزكية فالإجابة موقوفة على تزكية الداعي فعليه ان يزكى البدن أو لا فيصلحه بلقمة الحلال وقد قيل الدعاء مفتاح باب السماء وأسنانه لقمة الحلال وقال عليه السلام ( الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث اغبر يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك ) - حكى - انه كان بالكوفة أناس يستجاب دعاؤهم كلما دخل عليهم وال كانوا يدعون عليه فيهلك فدبر الحجاج الحيلة عليهم حين ولى عمل الكوفة من ابن مروان فدعاهم إلى مأدبته فلما أكلوا قال امنت من دعائهم ان يستجاب حيث دخل في بطونهم طعام حرام ويزكى الداعي نفسه ويطهرها من الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة لأنها قاطعات لطريق الدعاء ويزكى قلبه عن رين التعلقات الانسانية من النفساني والروحاني ويصفيه بالأذكار وينوره بنور الأخلاق فان هذه أسباب