الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

274

تفسير روح البيان

الحراثة ثم الصناعة وَإِذا قِيلَ لَهُمُ نزلت في مشركي العرب وكفار قريش أمروا باتباع القرآن وسائر ما انزل تعالى من البينات الباهرة فجنحوا للتقليد اى وإذا قيل للمشركين من الناس على وجه النصيحة والإرشاد اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ كتاب اللّه الذي أنزله فاعملوا بتحليل ما أحل اللّه وتحريم ما حرم اللّه في القرآن ولا تتبعوا خطوات الشيطان قالُوا بَلْ عاطفة للجملة التي تليها على الجملة المحذوفة قبلها نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا اى وجدنا عَلَيْهِ آباءَنا من اتخاذ الأنداد وتحريم الطيبات ونحو ذلك لأنهم كانوا خيرا منا فقلدوا آباءهم فانظروا أيها العقلاء إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون فقال اللّه تعالى ردا عليهم بهمزة الإنكار والتعجب مع واو الحال بعدها أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لما اقتضت الهمزة صدر الكلام والواو وسطه قدر بين الهمزة والواو جملة لتقع الهمزة في صدرها والمعنى أيتبعونهم ولو كان آباؤهم اى في حال كون آبائهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من الدين لأنهم كانوا يعقلون امر الدنيا وَلا يَهْتَدُونَ للصواب والحق يعنى هذا منكر مستبعد جدا لان اتباع من لا عقل له ولا اهتداء إلى طريق الحق لا وجه له أصلا وَمَثَلُ واعظ الَّذِينَ كَفَرُوا وداعيهم إلى الحق كَمَثَلِ الراعي الَّذِي يَنْعِقُ نعق الراعي والمؤذن بعين مهملة صوت وبالمعجمة نغق للغراب والمعنى يصوت بِما لا يَسْمَعُ وهو البهائم اى لا يدرك بالاستماع إِلَّا دُعاءً صوتا من الناعق وَنِداءً زجرا مجردا من غير فهم شئ آخر وحفظه كما يفهم العاقل ويجيب * قيل الفرق بين الدعاء والنداء ان الدعاء للقريب والندا للبعيد ويحتمل ان يكون الدعاء أعم من النداء والتشبيه المذكور في الآية من قبيل التشبيه المفرق شبه داعى الكافر بالناعق ونفس الكفرة بالبهائم المنعوق بها ودعاء داعى الكفرة بنعيق الناعق بالبهائم والمعنى مثلك يا محمد ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى اللّه وعدم اهتدائهم كمثل الراعي الذي يصيح بالغنم ويكلمها ويقول كلى واشربى وأرعى وهي لا تفهم . شيأ مما يقول لها كذلك هؤلاء الكفار كالبهائم لا يعقلون عنك ولا عن اللّه شيأ صُمٌّ اى هم صم يعنى كأنهم يتصاممون عن سماع الحق بُكْمٌ بمنزلة الخرس في أن لم يستجيبوا لما دعوا اليه عُمْيٌ بمنزلة العمى من حيث اعراضهم عن الدلائل كأنهم لم يشاهدوها ثم إنه تعالى لما شبههم بفاقدى هذه القوى الثلاث التي يتوسل بها إلى تمييز الحق من الباطل واختيار الحق فرع على هذا التشبيه قوله فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ اى لا يكتسبون الحق بما جبلوا عليه من العقل الغريزي لان اكتسابه انما يكون بالنظر والاستدلال ومن كان كالأصم والأعمى في عدم استماع الدلائل ومشاهدتها كيف يستدل على الحق ويعقله ولهذا قيل من فقد حسا فقد فقد علما وليس المراد نفى أصل العقل لان نفيه رأسا لا يصلح طريقا للذم وهكذا لا ينفع الوعظ في آخر الزمان لان آذان الناس مسدودة عن استماع الحق وأذهانهم مصدودة عن قبوله : ونعم ما قال السعدي فهم سخن چون نكند مستمع * قوت طبع از متكلم مجوى فسحت ميدان أرادت بيار * تا بزند مرد سخن كوى كوى وفي قوله تعالى وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ الآية إشارة إلى قطع النظر عن الاسلاف السوء واتباع أهل الأهواء المختلفة والبدع الذين لا يعقلون شيأ من طريق الحق وضلوا في تيه محبة الدنيا ويدعون