الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

256

تفسير روح البيان

وفتح أبواب السعادات واطلق على هذا المعنى الذكر الذي هو ادراك مسبوق بالنسيان واللّه تعالى منزه عن النسيان بطريق المجاز والمشاكلة لوقوعه في صحبة ذكر العبد وَاشْكُرُوا لِي على ما أنعمت عليكم من النعم والذكر بالطاعة هو الشكر فقوله واشكروا لي امر بتخصيص شكرهم به تعالى لأجل أفضاله وانعامه عليهم وان لا يشكروا غيره * وجعل صاحب التيسير قوله تعالى فاذكروني امرا بالقول وقوله واشكروا لي امرا بالعمل * قال الراغب ان قيل ما الفرق بين شكرت لزيد وشكرت زيدا قيل شكرت له هو ان تعتبر إحسانه الصادر عنه فتثنى عليه بذلك وشكرته إذا لم تلتفت إلى فعله بل تجاوزت إلى ذكر ذاته دون اعتبار أحواله وأفعاله فهو أبلغ من شكرت له وانما قال واشكروا لي ولم يقل واشكروني علما بقصورهم عن إدراكه بل عن ادراك آلائه كما قال تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها فأمرهم ان يعتبروا بعض أفعاله في الشكر للّه وَلا تَكْفُرُونِ بجحد النعم وعصيان الأمر * فان قيل لم قال بعد واشكروا لي ولا تكفرون ولم يقتصر على قوله واشكروا لي * قلنا لو اقتصر على قوله واشكروا لي لكان يجوز ان يتوهم ان من شكره مرة أو على نعمة ما فقد امتثل ولو اقتصر على قوله ولا تكفرون لكان يجوز ان يتوهم ان ذلك نهى عن تعاطى فعل قبيح دون حث على الفعل الجميل فجمع بينهما لإزالة هذا التوهم ولان في قوله ولا تكفرون تنبيها على أن ترك الشكر كفران * فان قيل لم قال ولا تكفرون ولم يقل ولا تكفروا لي * قيل خص الكفر به تعالى بالنهى عنه للتنبيه على أنه أعظم قباحة بالنسبة إلى كفر نعمه فان كفران النعم قد يعفى عنه بخلاف الكفر به تعالى كذا في تفسير الراغب الاصفهاني * قال بعض العلماء لما خص اللّه هذه الأمة بفضل قوة وكمال بصيرة بالنسبة إلى بني إسرائيل قال لهم يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ فامرهم بذكر نعمه المنسية المغفول عنها لينظروا منها إلى المنعم وقال لهذه الأمة فَاذْكُرُونِي فامرهم ان يذكروه بلا واسطة لقوة بصيرتهم : قال الصائب در سر هر خام طينت نشئهء منصور نيست * هر سفالى را صداى كاسهء فغفور نيست * قال الامام الغزالي الذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالجوارح فذكرهم إياه باللسان ان يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرأوا كتابه * وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع . أحدها ان يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ويتفكروا في الجواب عن الشبه العارضة في ملك اللّه . وثانيها ان يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل عليهم الفعل . وثالثها ان يتفكروا في اسرار مخلوقات اللّه تعالى حتى يصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له * واما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها وعلى هذا الوجه سمى اللّه تعالى الصلاة ذكرا بقوله فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ فصار الأمر بقوله فَاذْكُرُونِي متضمنا لجميع الطاعات ولهذا ذكر عن سعيد بن جبير أنه قال اذكروني بطاعتي فاجمله حتى يدخل