الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

251

تفسير روح البيان

شاهدنا وعلمنا تَقَلُّبَ وَجْهِكَ اى تردد وجهك في تصرف نظرك فِي السَّماءِ اى في جهتها تطلعا للوحي وكان عليه السلام يقع في روعه ويتوقع من ربه ان يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم واقدم القبلتين وادعى للعرب إلى الايمان من حيث إنها كانت مفخرة لهم وأمنا ومزارا ومطافا ولمخالفة اليهود فإنهم كانوا يقولون إنه يخالفنا في ديننا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل فعند ذلك كره ان يتوجه إلى قبلتهم حتى روى أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال لجبريل ( وددت ان اللّه صرفنى عن قبلة اليهود إلى غيرها ) فقال له جبريل انا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فادع ربك وسله ثم ارتفع جبريل وجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء ان يأتيه جبريل بالذي سأل ربه فانزل اللّه هذه الآية وأول ما نسخ من المنسوخات هو خمسون صلاة نسخت إلى خمس للتخفف ثم تحويل القبلة إلى بيت المقدس بمكة امتحانا للمشركين بعد ان كان للمصلى ان يتوجه حيث شاء لقوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ثم تحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة بالمدينة امتحانا لليهود كذا في تفسير الفاتحة للمولى الفناري فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً اى فو اللّه لنعطينكها ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا اى صيرته واليا له وولى الرجل ولاية اى تمكن منه أو فلنجعلنك تلى سمتها دون سمت بيت المقدس من وليه وليا اى قربه ودنا منه وأوليته إياه ووليته اى أدنيته منه تَرْضاها مجاز عن المحبة والاشتياق لأنه عليه السلام لم يكن ساخطا للتوجه إلى بيت المقدس كارها له غير راض اى تحبها وتتشوق إليها لا لهوى النفس والشهوة الطبيعية بل لمقاصد دينية وافقت مشيئة اللّه تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى اصرف وجهك اى اجعل وجهك بحيث يلي شطره ونحوه والمراد بالوجه هاهنا جملة البدن لان الواجب على المكلف ان يستقبل القبلة بجملة بدنه لا بوجهه فقط ولعل تخصيص الوجه بالذكر التنبيه على أنه الأصل المتبوع في التوجه والاستقبال والمتبادر من لفظ المسجد الحرام هو المسجد الأكبر الذي فيه الكعبة والحرام المحرم اى المحرم فيه القتال أو الممنوع من الظلمة ان يتعرضوا له وفي ذكر المسجد الحرام دون الكعبة إيذان بكفاية مراعاة جهة الكعبة باتفاق بين الحنفية والشافعية لان استقبال عينها للبعيد متعذر وفيه حرج عظيم بخلاف القريب وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ اى في أي موضع كنتم من الأرض من بحر أو بر شرق أو غرب وأردتم الصلاة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فإنه القبلة إلى نفخ الصور امر لجميع المؤمنين بذلك بعد ما امر به النبي عليه السلام تصريحا بعمومه لكافة العباد من كل حاضر وباد حثا للأمة على المتابعة وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من فريقى اليهود والنصارى لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اى التحويل إلى الكعبة الْحَقُّ اى الثابت كائنا مِنْ رَبِّهِمْ لما ان المسطور في كتبهم انه عليه السلام يصلى إلى القبلتين بتحويل القبلة إلى الكعبة بعد ما كان يصلى إلى بيت المقدس ومعنى من ربهم اى من قبله تعالى لا شئ ابتدعه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من قبل نفسه فإنهم كانوا يزعمون أنه من تلقاء نفسه وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ خطاب للمسلمين واليهود جميعا على التغليب فيكون وعدا للمسلمين بالإثابة وجزيل الجزاء ووعيدا وتهديدا لليهود على عنادهم وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ برهان