الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
252
تفسير روح البيان
قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ عنادا ومكابرة وهذا في حق قوم معينين علم اللّه انهم لا يؤمنون فان منهم من آمن وتبع القبلة وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ حسم لأطماعهم إذ كانوا تناجوا في ذلك وقالوا لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو ان يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ فان اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك لتصلب كل فريق فيما هو فيه فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ جمع هوى وهو الإرادة والمحبة اى ولئن وافقتهم في مراداتهم بان صليت إلى قبلتهم مداراة لهم وحرصا على ايمانهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ اى من بعد ما علمت بالوحي القاطع ان قبلة اللّه هي الكعبة إِنَّكَ إِذاً حرف جواب وجزاء توسطت بين اسم ان وخبرها لتقرير ما بينهما من النسبة لَمِنَ الظَّالِمِينَ اى المرتكبين الظلم الفاحش وهذه الجملة الشرطية الفرضية واردة على منهاج التهييج والالهاب للثبات على الحق * وفيه لطف للسامعين وتحذير لهم عن متابعة الهوى فان من ليس من شانه ذلك إذا نهى عنه ورتب على فرض وقوعه ما رتب من الانتظام في سلك الراسخين في الظلم فما ظن من ليس كذلك : قال في المثنوى تازه كن ايمان نه از كفت زبان * اى هوا را تازه كرده در نهان تا هوا تازه است ايمان تازه نيست * كين هوا جز قفل آن دروازه نيست الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إيتاء فهم ودراسة وهم الأحبار يَعْرِفُونَهُ اى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ اى يعرفونه صلّى اللّه عليه وسلم بأوصافه الشريفة المكتوبة في كتابهم لا يشتبه عليهم كما لا يشتبه أبناؤهم وتخصيصهم بالذكر دون ما يعم البنات لكون الذكور أشهر واعرف عندهم منهن وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق * فان قيل لم لم يقل كما يعرفون أنفسهم مع أن معرفة الشخص نفسه أقرب اليه من معرفة سائر الأشياء * فالجواب ما قال الراغب لان الإنسان لا يعرف نفسه الا بعد انقضاء برهة من دهره ويعرف ولده من حين وجوده وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ هم الذين كابروا وعاندوا الحق لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ان محمدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وان الكعبة قبلة اللّه والباقون هم الذين آمنوا منهم فإنهم يظهرون الحق ولا يكتمونه واما الجهلة منهم فليست لهم معرفة بالكتاب ولا بما في تضاعيفه فما هم بصدد الإظهار ولا بصدد الكتم وانما كفرهم على وجه التقليد الْحَقُّ الذي أنت عليه يا محمد مِنْ رَبِّكَ خبر لقوله الحق فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ اى الشاكين في كون الحق من ربك هذا خطاب له صلّى اللّه عليه وسلم والمقصود خطاب أمته ونهيهم عن الامتراء ومعنى نهى الأمة عن الامتراء أمرهم بضده الذي هو اليقين وطمأنينة القلب * قال القشيري حملهم مستكنات الحسد وسوء الاختيار على مكابرة ما علموا بالاضطرار وكذلك المغمور في ظلمات نفسه يلقى جلباب الحياء فلا ينجع فيه ملام ولا يرده عن انهماكه كلام * قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي عندنا ثلاث مراتب . إحداها مرتبة التقليد