الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

214

تفسير روح البيان

اى للّه سبحانه وتعالى قانِتُونَ منقادون لا يمتنع شئ منهم على مشيئته وتكوينه وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكونه الواجب لذاته فلا يكون له ولد لأنه من حق الولد ان يجانس والده وانما عبر عن جميع الموجودات أولا بما يعبر به عن غير ذوى العلم وعبر عنه آخر بما يختص بالعقلاء وهو لفظ قانتون تحقيرا لشأن العقلاء الذين جعلوه ولدا للّه سبحانه بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى هو مبدعهما على أن البديع بمعنى المبدع وهو الذي يبدع الأشياء اى يحدثها أو ينشئها على غير مثال سبق والإبداع اختراع الشيء لا عن شئ دفعة اى من غير مادة ومدة وسمى صاحب الهوى مبتدعا لما لم يسبقه أحد من أرباب الشرع في إنشاء مثل ما فعله أو المعنى بديع سماواته وارضه فعلى الأول من أبدع والإضافة معنوية وعلى الثاني من بدع إذا كان على شكل فائق وحسن رائق والإضافة لفظية وهو حجة أخرى لابطال مقالتهم الشنعاء تقريرها ان الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادته عنه واللّه تعالى مبدع الأشياء كلها على الإطلاق منزه عن الانفعال فلا يكون والدا ومن قدر على خلق السماوات والأرض من غير شئ كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أب وَإِذا قَضى أَمْراً اى أراد شيأ وأصل القضاء الاحكام اطلق على إرادة الإلهية المتعلقة بوجود الشيء لايجابها إياه البتة فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ اى يحصل في الوجود سريعا من غير توقف ولا اباء كلاهما من كان التامة اى أحدث فيحدث * واعلم أن أهل السنة لا يرون تعلق وجود الأشياء بهذا الأمر وهو كن بل وجودها متعلق بخلقه وإيجاده وتكوينه وهو صفة أزلية وهذا الكلام عبارة عن سرعة حصول المخلوق بايجاده وكمال قدرته على ذلك لكن لا يتعلق علم أحد بكيفية تعلق القدرة بالمعدومات فيجب الإمساك عن بحثها وكذا عن بحث كيفية وجود الباري وكيفية العذاب بعد الموت وأمثالها فإنها من الغوامض * ثم اعلم أن السبب في هذه الضلالة وهي نسبة الولد إلى اللّه والقول بأنه اتخذ ولدا ان أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون على الباري تعالى اسم الأب وعلى الكبير منهم اسم الإله حتى قالوا إن الأب هو الرب الأصغر وان اللّه تعالى هو الأب الأكبر وكانوا يريدون بذلك انه تعالى هو السبب الأول في وجود الإنسان وان الأب هو السبب الأخير في وجوده فان الأب هو معبود الابن من وجه اى مخدومه ثم ظنت الجهلة منهم ان المراد به معنى الولادة الطبيعية فاعتقدوا ذلك تقليدا ولذلك كفر قائله ومنع منه مطلقا اى سواء قصد به معنى السببية أو معنى الولادة الطبيعية حسما لمادة الفساد واتخاذ الحبيب أو الخليل جائز من اللّه تعالى لان المحبة تقع على غير جوهر المحب * قالوا أوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه السلام ولدتك وأنت نبي فخفف النصارى التشديد الذي في ولدتك لأنه من التوليد وصحفوا بعض إعجام النبي بتقديم الباء على النون فقالوا ولدتك وأنت بنيى تعالى اللّه عما يقول الظالمون وقال تعالى يا احبارى ويا أبناء رسلي فغيره اليهود وقالوا يا احبائى ويا ابنائى فكذبهم اللّه بقوله وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فاللّه سبحانه منزه عن الحدود والجهات ومتعال عن الأزواج والبنين والبنات ليس كمثله شئ في الأرض ولا في السماوات قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال اللّه تعالى ( كذبني ابن آدم ) اى نسبني إلى الكذب