الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

192

تفسير روح البيان

ما يزيل الاشكال قطعا وهو انهم لما عيروا بني آدم بقلة الأعمال وكثرة الذنوب في زمن إدريس عليه السلام قال اللّه تعالى لو انزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لفعلتم مثل ما فعلوا فقالوا سبحانك ربنا ما كان ينبغي لنا ان نعصيك قال اللّه تعالى فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم فاهبطا بالتركيب البشرى ففعلا ما فعلا وهذا ليس ببعيد إذ ليس مجرد هبوط الملك مما يقتضى العصيان وذلك ظاهر والا لظهر من جبريل وغيره ألا ترى ان إبليس له الشهوة والذرية مع أنه كان من الملائكة على أحد القولين لأنها مما حدثت بعد ان محى من ديوانهم فيجوز ان تحدث الشهوة في هاروت وماروت بعد ان اهبطا الأرض لاستلزام التركيب البشرى ذلك * وقد قال في آكام المرجان ان اللّه تعالى باين بين الملائكة والجن والانس في الصورة والاشكال فان قلب اللّه الملك إلى صورة الإنسان ظاهرا وباطنا خرج عن كونه ملكا وكذلك لو قلب الشيطان إلى بنية الإنسان خرج بذلك عن كونه شيطانا - روى - انه لما استشفع لهما إدريس عليه السلام خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا لكونه أيسر من عذاب الآخرة فهما في بئر بابل معلقان فيه بشعورهما إلى يوم القيامة * قال مجاهد ملئ الجب نارا فجعلا فيه وقيل معلقان بأرجلهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء الا اربع أصابع فهما يعذبان بالعطش * قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره رائحة الشمع الذي يعمل من الشحم كريهة تتألم منها الملائكة حتى يقال إن هاروت وماروت يعذبان برائحته واما الشمع العسلي فرائحته طيبة كذا في واقعات الهدائى قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ( اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده انها لا سحر من هاروت وماروت ) قال العلماء انما كانت الدنيا اسحر منهما لأنها تدعوك إلى التحارص عليها والتنافس فيها والجمع لها والمنع حتى تفرق بينك وبين طاعة اللّه وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته وسحر الدنيا محبتها وتلذذك بشهواتها وتمنيك بامانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( حبك الشيء يعمى ويصم ) أراد النبي عليه الصلاة والسلام ان من الحب ما يعمى عن طريق الحق والرشد ويصمك عن استماع الحق وان الرجل إذ أغلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل أو دين أصمه حبه عن العذل وأعماه عن الرشد أو يعمى العين عن النظر إلى مساويه ويصم الاذن عن استماع العذل فيه أو يعمى ويصم عن الآخرة وفائدته النهى عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه : قال خسرو الدهلوي بهر اين مردار چندت كاه زارى كاه زور چون غليواجى كه شش مه مادة وشش مه نر است ثم في هذه القصة إشارة إلى أنه لا يجوز الاعتماد الأعلى فضل اللّه ورحمته فان العصمة من آثار حفظ اللّه تعالى كمال : قال في المثنوى همچو هاروت وچو ماروت شهير * از بطر خوردند زهر آلوده تير اعتمادي بودشان بر قدس خويش * چيست بر شير اعتماد كاو ميش كر چه أو با شاخ صد چاره كند * شاخ شاخش شير نر پاره كند