الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

191

تفسير روح البيان

تعالى عليه وسلم برأ اللّه سليمان عليه السلام من ذلك وانزل في عذر سليمان واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ بالسحر وعلمه يعنى لم يكن ساحرا لان الساحر كافر والتعرض لكونه كفرا للمبالغة في اظهار نزاهته عليه السلام وكذبه باهتيه بذلك وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا باستعمال السحر وتعليمه وتدوينه يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ اى كفروا والحال انهم يعلمونه إغواء واضلالا روى أن السحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم وَما اى ويعلمون الناس الذي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ اى ما الهما وعلما وهو علم السحر انزلا لتعليم السحر ابتلاء من اللّه للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافرا ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا كما قيل عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه وهذا كما إذا اتى عرافا فسأله عن شئ ليمتحن حاله ويختبر باطن امره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز * قال الامام فخر الدين كان الحكمة في انزالهما ان السحرة كانوا يسترقون السمع من الشياطين ويلقون ما سمعوا بين الخلق وكان بسبب ذلك يشتبه الوحي النازل على الأنبياء فانزلهما اللّه إلى الأرض ليعلما الناس كيفية السحر ليظهر بذلك الفرق بين كلام اللّه وكلام السحرة بِبابِلَ الباء بمعنى في وهي متعلقة بانزل أو بمحذوف وقع حالا من الملكين وهي بابل العراق أو بابل ارض الكوفة ومنع الصرف للمجمة والعلمية وأحسن ما قيل في تسميتها ببابل ان نوحا عليه السلام لما هبط إلى أسفل الجودي بنى قرية وسماها ثمانين فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي وكان لا يفهم بعضهم من بعض كذا في تفسير القرطبي هارُوتَ وَمارُوتَ عطف بيان للملكين علمان لهما ومنع صرفها للعجمة والعلمية وما روى في قصتهما من أنهما شربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فمما لا تعويل عليه لان مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل ولعله من مقولة الأمثال والرموز التي قصد بها ارشاد اللبيب الأريب وبالترغيب وذلك لان المراد بالملكين العقل النظري والعقل العملي والمرأة المسماة بالزهرة هي النفس الناطقة الطاهرة في أصل نشأتها وتعرضهما لها تعليمهما لها ما تستعد به في النشأة الآخرة وحملها إياهما على المعاصي تحريضها إياهما بحكم الطبيعة المزاجية إلى السفليات المدنسة لجوهرهما وصعودها إلى السماء بما تعلمت منهما هو عروجها إلى الملأ الأعلى ومخالطتها مع القدسيين بسبب انتصافها ونصحها كذا ذكره وجوه القوم من المفسرين * يقول الفقير جامع هذه المجالس الشريفة قد تصفحت كتب أرباب الخبر والبيان وأصحاب الشهود والعيان فوجدت عامتها مشحونة بذكر ما جرى من قصتهما وكيف يجوز الاتفاق من الجم الغفير على ما مداره رواية اليهود خصوصا في مثل هذا الأمر الهائل فأقول وصف الملائكة بأنهم لا يعصون ولا يستكبرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ويفعلون ما يؤمرون دليل تصور العصيان منهم ولولا ذلك لما مدحوا به إذ لا يمدح أحد على الممتنع لكن طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف على عكس حال البشر كما في التيسير فهذا يقتضى جواز الوقوع مع أن فيما روى في سبب نزولهما