الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

188

تفسير روح البيان

في زمان رجل يقال له بخت‌نصر وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه فلما كان الحين الذي يخرب فيه بعثنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل في طلبه فانطلق حتى لقيه غلاما مسكينا ببابل ليست له قوة فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال لصاحبنا ان هو امره بهلاككم لا يسلطكم عليه وان لم يكن هذا فعلى أي حق تقتلونه فصدقه صاحبنا فتركه وكبر بخت‌نصر وقوى فملك ثم غزانا فخرب بيت المقدس وقتلنا وامر جبريل بوضع النبوة فينا فوضعها في غيرنا فلهذا اتخذناه عدوا وميكائيل عدو جبريل فقال عمر رضى اللّه عنه لئن كانا كما تقولون فماهما بعدوين ولأنتم اكفر من الخمير ومن كان عدوا لأحدهما كان عدوا للآخر ومن كان عدوا لهما كان عدوا للّه تعالى وجواب من محذوف اى من عادى جبريل من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته بل يجب عليه محبته فَإِنَّهُ يعنى جبريل نَزَّلَهُ اى القرآن أضمره لكمال شهرته عَلى قَلْبِكَ زيادة تقرير للتنزيل ببيان محل الوحي فإنه القابل الأول له ومدار الفهم والحفظ اى حفظه إياك ففهمكه وحق الكلام ان يقال على قلبي لكنه جاء على حكاية كلام اللّه كما تكلم به لما في النقل بالعبارة من زيادة تقرير لمضمون المقالة يعنى قل كما تكلمت به من قولي انه نزله على قلبك بِإِذْنِ اللَّهِ بأمره وتيسيره مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ اى موافقا لما قبله من الكتب الإلهية في التوحيد وبعض الشرائع حال من مفعول نزله وَهُدىً اى هاديا إلى دين الحق وَبُشْرى اى مبشرا بالجنة لِلْمُؤْمِنِينَ فلا وجه لمعاداته فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في انزاله ما ينفعهم ويصح المنزل عليهم ثم عمم الشرط والجزاء ردا عليهم بقوله مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ اى مخالفا لامره عنادا وخارجا عن طاعته مكابرة وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ أفردهما بالذكر لاظهار فضلهما كأنهما من جنس آخر اشرف مما ذكر تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الجنس * قال عكرمة جبر وميك وإسراف هي العبد بالسريانية وايل وآئيل هو اللّه ومعناها عبد اللّه أو عبد الرحمن فَإِنَّ اللَّهَ جواب الشرط ولم يقل فإنه لاحتمال ان يعود إلى جبريل وميكائيل عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ اى لهم جاء بالظاهر ليدل على أن اللّه انما عاداهم لكفرهم والمعنى من عاداهم عاداه اللّه وعاقبه أشد العقاب فقال ابن صوريا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما جئتنا بشئ نعرفه وما انزل عليك من آية فنتبعك لها فانزل اللّه وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ واضحات الدلالة على معانيها وعلى كونها من عند اللّه وَما يَكْفُرُ بِها اى بالآيات التي توضح الحلال والحرام وتفصل الحدود والاحكام إِلَّا الْفاسِقُونَ المتمردون في الكفر الخارجون عن حدوده فان من ليس على تلك الصفة لا يجترئ على الكفر بمثل هاتيك البينات والأحسن ان يكون اللام إشارة إلى أهل الكتاب * قال الحسن إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على عظم ذلك النوع من كفر أو غيره * واعلم أن القرآن هو النور الإلهي الذي كشف اللّه به الظلمات واليهود أرادوا ان يطفئوا نور اللّه واللّه متم نوره وليس لهم في ذلك الا الفضاحة والخزي كما إذا دخل الحمام ناس في ليل مظلم وفيهم الأصحاء وأهل العيوب فجاء واحد بسراج مضئ لا يسارع إلى إطفائه الا أهل العيوب مخافة ان يظهر عيوبهم للاصحاء ويلحق بهم مذمة