الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

182

تفسير روح البيان

اى والحال ان ما وراء التوراة الْحَقُّ اى المعروف بالحقية الحقيق بان يخص به اسم الحق على الإطلاق مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ من التوراة غير مخالف له حال مؤكدة من الحق والعامل فيها ما في الحق من معنى الفعل وصاحب الحال ضمير دل عليه الكلام اى احقه مصدقا اى حال كونه موافقا لما معهم وفيه رد لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الايمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل نبي بقوله تعالى قُلْ يا محمد تبكيتا لهم من جهة اللّه تعالى ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم فَلِمَ أصله لما لامه للتعليل دخلت على ما التي للاستفهام وسقطت الألف فرقا بين الاستفهامية والخبرية تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ صيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية وهو جواب شرط محذوف اى قل لهم ان كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون فلاي شئ تقتلون أنبياء اللّه من قبل وهو فيها حرام وأسند فعل الآباء وهو القتل إلى الأبناء للملابسة بين الآباء والأبناء * قال أبو الليث في تفسيره وفي الآية دليل على أن من رضى بالمعصية فكأنه فاعل لها لان اليهود كانوا راضين بقتل آبائهم فسماهم اللّه قاتلين حيث قال قل فلم تقتلون الآية إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جواب الشرط محذوف لدلالة ما سبق عليه اى ان كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم وهو تكرير للاعتراض لتأكيد الإلزام وتشديد التهديد وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ من تمام التبكيت والتوبيخ داخل تحت الأمر واللام للقسم اى باللّه قد جاءكم موسى ملتبسا بالمعجزات الظاهرة من العصا واليد وفلق البحر ونحو ذلك ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ اى الها مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد مجيئه بها وثم للتراخى في الرتبة والدلالة على نهاية قبح ما فعلوا وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ حال من ضمير اتخذتم أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ اى العهد منكم وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ اى الجبل قائلين لكم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ اى بجد واجتهاد وَاسْمَعُوا ما في التوراة سماع قبول وطاعة قالُوا كأنه قيل فماذا قالوا فقيل قالوا سَمِعْنا قولك ولكن لا سماع طاعة وَعَصَيْنا أمرك ولولا مخافة الجبل ما قبلنا في الظاهر فإذا كان حال أسلافهم هكذا فكيف يتصور من اخلافهم الايمان : قال الفردوسي زبد كوهران بد نباشد عجب * سياهى نباشد بريدن ز شب ز بد أصل چشم بهى داشتن * بود خاك در ديده انباشتن وَأُشْرِبُوا اى والحال انهم قد اشربوا فِي قُلُوبِهِمُ بيان لمكان الاشراب كقوله انما يأكلون في بطونهم نارا الْعِجْلَ اى حب العجل على حذف المضاف واشرب قلبه كذا اى حل محل الشراب أو اختلط كما خلط الصبغ بالثوب وحقيقة اشربه كذا جعله شاربا لذلك فالمعنى جعلوا شاربين حب العجل نافذا فيهم نفوذ الماء فيما يتغلغل فيه * قال الراغب من عاداتهم إذا أرادوا محاصرة حب أو بغض في القلب ان يستعيروا لها اسم الشراب إذ هو أبلغ مساغا في البدن ولذلك قالت الأطباء الماء مطية الأغذية والأدوية بِكُفْرِهِمْ اى بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك قيل كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسما أعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري وجعل حلاوة عبادة العجل في قلوبهم مجازاة لكفرهم * وفي القصص