الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
168
تفسير روح البيان
بِأَيْدِيهِمْ تأكيد لدفع توهم المجاز فقد يقول انسان كتبت إلى فلان إذا امر غيره ان يكتب عنه اليه ثُمَّ يَقُولُونَ لعوامهم هذا اى المحرف مِنْ عِنْدِ اللَّهِ في التوراة روى أن أحبار اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبي عليه السلام المدينة فاحناوا في تعويق أسافل اليهود عن الايمان فعمدوا إلى صفة النبي عليه السلام في التوراة وكانت هي فيها حسن الوجه جعد الشعر اكحل العين ربعة اى متوسط القامة فغيروها وكتبوا مكانه طوال ازرق سبط الشعر وهو خلاف الجعد فإذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرأوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته عليه السلام فيكذبونه لِيَشْتَرُوا بِهِ اى يأخذوا لأنفسهم بمقابلة المحرف ثَمَناً هو ما أخذوه من الرشى بمقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل الزائغ وانما عبر عن المشترى الذي هو المقصود بالذات في عقد المعاوضة بالثمن الذي هو وسيلة فيه إيذانا بتعكيسهم حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلة والوسيلة مقصودة بالذات قَلِيلًا لا يعبأ به انما وصفه بالقلة اما لفنائه وعدم ثوابه واما لكونه حراما لان الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند اللّه كذا في تفسير القرطبي فَوَيْلٌ لَهُمْ اى العقوبة العظيمة ثابتة لهم مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من أجل كتابتهم إياه وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ من أخذهم الرشوة وعملهم المعاصي وأصل الكسب الفعل لجر نفع أو دفع ضر ولهذا لا يوصف به سبحانه * وفي الآيات إشارات * الأولى ان علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع اللّه لا يفيده الايمان الحقيقي الا ان يتداركه اللّه بفضله ورحمته قال اللّه تعالى وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وان اللّه تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وما أفاده الايمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيدا من اللّه بفضله ورحمته ولم يبق على الايمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان : قال في المثنوى جز عنايت كه كشايد چشم را * جز محبت كه نشاند خشم را جهد بىتوفيق خود كس را مباد * در جهان واللّه اعلم بالسداد جهد فرعونى چو بي توفيق بود * هر چه أو مىدوخت آن تفتيق بود * والثانية ان العالم المعاند والعامي المقلد سواء في الضلال لان العالم عليه ان يعمل بعلمه وعلى العامي ان لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكن من العلم وان الدين ليس بالتمني فالذين ركنوا إلى التقليد المحض واغتروا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم الا قراءتها دون معرفة معانيها وادراك اسرارها وحقائقها وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعى الإسلام فالمدعى والمتمنى عاقبتهما خسران وضلال وحسرة وندامة ووبال : وفي المثنوى تشنه را گر ذوق آيد از سراب * چون رسد در وى گريزد جويد آب مفلسان گر خوش شوند از زر قلب * ليك ان رسوا شود در دار ضرب * والثالثة ان من بدل أو غير أو ابتدع في دين اللّه ما ليس منه فهو داخل في الوعيد المذكور وقد حذر رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أمته لما علم ما يكون في آخر الزمان فقال ( ألا ان من قبلكم