الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
149
تفسير روح البيان
الإجابة فإذا أجاب اللّه دعاء البعض فهو أكرم من أن يرد الباقي وفي الحديث ( ادعوا اللّه بألسنة ما عصيتموه بها ) قالوا يا رسول اللّه ومن لنا بتلك الألسنة قال ( يدعو بعضكم لبعض لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك ) * وفي تفسير الفاتحة للفنارى ان استقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوى في الإجابة فمن زعم أنه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الإجابة فلا يلومن إلا نفسه إذ لم يناد القادر على الإجابة وانما توجه إلى ما أنشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه إذ ذاك * روى أن فرعون قبل دعوى الإلهية امر ان يكتب على باب دارهبسم اللّه فلما لم يؤمن بموسى قال الهى انى ادعوه ولا أرى فيه خيرا قال لعلك تريد إهلاكه أنت تنظر إلى كفره وانا إلى ما كتبه على بابه فمن كتبه على سويداء قلبه ستين سنة أولى بالرحمة فإذا كان حال من كتبه على باب داره هكذا فكيف حال من نقشه على باب قلبه يستجاب دعاؤه لا محالة وأول شرائط الإجابة إصلاح الباطن باللقمة الطيبة وآخرها الإخلاص وحضور القلب يعنى التوجه الاحدى * والإشارة في تحقيق الآية ان الروح الإنساني وصفاته في عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقى ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصا لا اله الا اللّه ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نورا عند الاستيلاء ظلمات صفات النفس وقد حملت من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة أو أشد قسوة فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من ماء الحكمة لان كلمة لا اله الا اللّه اثنا عشر حرفا من كل حرف عين قد علم كل سبط من أسباط الصفات الانسانية وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس ولكل واحد منهم مشرب من عين حرف من حروف الكلمة قد علم مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمشرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات والقلوب تشرب من مشارب التقى والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات والاسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلى الصفات عن ساقى وسقاهم ربهم شراب الاضمحلال في حقيقة الذات كلوا واشربوا كل واحد من رزق اللّه بأمره ورضاه ولا تعثوا في الأرض مفسدين بترك الأمر واختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وإيثار الآخرة على الأولى واختيارهما على المولى كذا في التأويلات النجمية وَإِذْ قُلْتُمْ تذكير لجناية أخرى لاسلاف بني إسرائيل وكفرانهم لنعمة اللّه عز وجل خاطبهم تنزيلا لهم مكان آبائهم لما بينهم من الاتحاد وكان هذا القول منهم في التيه حين سئموا من أكل المن والسلوى لكونهما غير مبدلين والإنسان إذا دوام شيأ واحدا سئمه وتذكروا عيشهم الأول بمصر لأنهم كانوا أهل فلاحة فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ الطعام ما يتغذى به وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فيصيران طعاما واحدا أو أريد بالواحد نفى التبدل والاختلاف ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها قيل لا يأكل فلان الا طعاما واحدا * وفي تفسير البغوي والعرب تعبر عن الواحد