الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

14

تفسير روح البيان

من أن رحمتي البسملة ذاتيتان ورحمتي الفاتحة صفاتيتان كماليتان * والثاني ليعلم ان التسمية ليست من الفاتحة ولو كانت منها لما أعادهما لخلو الإعادة عن الفائدة * والثالث انه ندب العباد إلى كثرة الذكر فان من علامة حب اللّه حب ذكر اللّه وفي الحديث ( من أحب شيأ أكثر ذكره ) * والرابع انه ذكر رب العالمين فبين ان رب العالمين هو الرحمن الذي يرزقهم في الدنيا الرحيم الذي يغفر لهم في العقبى ولذلك ذكر بعده مالك يوم الدين يعنى ان الربوبية اما بالرحمانية وهي رزق الدنيا واما بالرحيمية وهي المغفرة في العقبى * والخامس انه ذكر الحمد وبالحمد تنال الرحمة فان أول من حمد اللّه تعالى من البشر آدم عطس فقال الحمد للّه وأجيب للحال يرحمك ربك ولذلك خلقك فعلم خلقه الحمد وبين انهم ينالون رحمته بالحمد * والسادس ان التكرار للتعليل لان ترتيب الحمد على هذه الأوصاف امارة علية مأخذها فالرحمانية والرحيمية من جملتها لدلالتهما على أنه مختار في الإحسان لا موجب وفي ذلك استيفاء أسباب استحقاق الحمد من فيض الذات برب العالمين وفيض الكمالات بالرحمن الرحيم ولا خارج عنهما في الدنيا وفيض الاثوبة لطفا والاجزية عدلا في الآخرة ومن هذا يفهم وجه ترتيب الأوصاف الثلاثة * والفرق بين الرحمن والرحيم اما باختصاص الحق بالأول أو بعمومه أو بجلائل النعم فعلى الأول هو الرحمن بما لا يصدر جنسه من العباد والرحيم بما يتصور صدوره منهم فذا كما روى عن ذي النون قدس سره وقعت ولولة في قلبي فخرجت إلى شط النيل فرأيت عقربا يعد وفتبعته فوصل إلى ضفدع على الشط فركب ظهره وعبر به النيل فركبت السفينة واتبعته فنزل وعدا إلى شاب نائم وإذا أفعى بقربه تقصده فتواثبا وتلادغا وماتا وسلم النائم - ويحكى - ان ولد الغراب إذا خرج من القشر يكون كلحم احمر ويفر الغراب منه فيجتمع عليه البعوض فيلتقمه إلى أن ينبت ريشه فعند ذلك تعود الام اليه ولهذا قيل يا رازق النعاب في عشه واما على أن الرحمن عام فقيل كيف ذلك وقلما يخلو أحد بل حالة له عن نوع بلوى قلنا الحوادث منها ما يظن أنه رحمة ويكون نقمة وبالعكس قال اللّه تعالى فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً الآية فالأول كما قال ان الشباب والفراغ والجده * مفسدة للمرء أي مفسده وكل منها في الظاهر نعمة والثاني كحبس الولد في المكتب وحمله على التعلم بالضرب وكقطع اليد المتأكلة فالابله يعتبر بالظواهر والعاقل ينظر إلى السرائر فما من بلية ومحنة الا وتحتها رحمة ومنحة وترك الخير الكثير للشر القليل شر كبير فالتكاليف لتطهير الأرواح عن العلائق الجسدانية وخلق النار لصرف الأشرار إلى اعمال الأبرار وخلق الشيطان لتميز المخلصين من العباد فشأن المحقق ان يبنى على الحقائق كالخضر عليه السلام في قصة موسى عليه السلام معه فكل ما يكره الطبع فتحته اسرار خفية وحكمة بالغة فلو لا الرحمة وسبقها للغضب لم يكن وجود الكون ولما ظهر للاسم المنعم عين واما على أن الرحمن لجلائل النعم فإنما اتبعه بالرحيم لدفع توهم ان يكون طلب العبد الشيء اليسير سوء أدب كما قيل لبعضهم جئتك لحاجة يسيرة قال اطلب لها رجلا يسيرا فكأن اللّه يقول لو اقتصرت على الرحمن لاحتشمت عنى ولكني رحيم فاطلب منى حتى شراك نعلك وملح قدرك : قال الشيخ السعدي قدس سره العزيز محالست اگر سر برين در نهى * كه باز آيدت دست حاجت تهى