الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
15
تفسير روح البيان
قال أهل الحقيقة الحضرات الكلية المختصة بالرحمن ثلاث حضرة الظهور وحضرة البطون وحضرة الجمع وكل موجود فله هذه المراتب ولا يخلو عن حكمها وعلى هذه المراتب تنقسم احكام الرحمة في السعداء والأشقياء والمتنعمين بنفوسهم دون أبدانهم كالأرواح المجردة وبالعكس والجامعين بين الامرين وكذا من أهل الجنة منهم سعداء من حيث نفوسهم بعلومهم دون صورهم لكونهم لم يقدموا في الجنة الأعمال ما يستوجبون به النعيم الصوري وان كان فنزر يسير بالنسبة إلى من سواهم وعكس ذلك كالزهاد والعباد الذين لا علم لهم فان أرواحهم قليلة الحظ من النعيم الروحاني لعدم المناسبة بينهم وبين الحضرات العلمية الإلهية ولهذا لم تتعلق هممهم زمان العمل بما وراء العمل بل ظنوه الغاية فوقفوا عنده واقتصروا عليه رغبة فيما وعدوا به ورهبة مما حذروا منه واما الجامعون بين النعيمين تماما فهم الفائزون بالحظ الكامل في العلم والعمل كالرسل عليهم الصلاة والسلام ومن كملت وراثته منهم اعني الكمل من الأولياء : قال المولى جلال الدين قدس سره هر كبوتر مىپرد در مذهبي * وين كبوتر جانب بىجانبى مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ اليوم في العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان وفي الشرع عما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس والمراد هاهنا مطلق الوقت لعدم الشمس ثم اى مالك الأمر كله في يوم الجزاء فإضافة اليوم إلى الدين لأدنى ملابسة كإضافة سائر الظروف إلى ما وقع فيها من الحوادث كيوم الأحزاب ويوم الفتح وتخصيصه اما لتعظيمه وتهويله أو لبيان تفرده بإجراء الأمر فيه وانقطاع العلائق بين الملاك والاملاك حينئذ بالكلية ففي ذلك اليوم لا يكون مالك ولا فاض ولا مجاز غيره وأصل الملك والملك الربط والشد والقوة فللّه في الحقيقة القوة الكاملة والولاية النافذة والحكم الجاري والتصرف الماضي وهو للعباد مجاز إذ لملكهم بداية ونهاية وعلى البعض لا الكل وعلى الجسم لا العرض وعلى النفس لا النفس وعلى الظاهر لا الباطن وعلى الحي لا الميت بخلاف المعبود الحق إذ ليس لملكه زوال ولا لملكه انتقال وقراءة مالك بالألف أكثر ثوابا من ملك لزيادة حرف فيه - يحكى - عن أبي عبد اللّه محمد بن شجاع الثلجي رحمه اللّه تعالى أنه قال كان من عادتي قراءة مالك فسمعت من بعض الأدباء ان ملك أبلغ فتركت عادتي وقرأت ملك فرأيت في المنام قائلا يقول لم نقصت من حسناتك عشرا اما سمعت قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ( من قرأ القرآن كتب له بكل حرف عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيآت ورفعت له عشر درجات ) فانتبهت فلم اترك عادتي حتى رأيت ثانيا في المنام انه قيل لي لم لا تترك هذه العادة اما سمعت قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ( اقرأوا القرآن فخما مفخما ) اى عظيما معظما فاتيت قطربا وكان اماما في اللغة فسألته ما بين المالك والملك فقال بينهما فرق كثير اما المالك فهو الذي ملك شيأ من الدنيا واما الملك فهو الذي يملك الملوك * قال في تفسير الإرشاد قرأ أهل الحرمين المحترمين ملك من الملك الذي هو عبارة عن السلطان القاهر والاستيلاء الباهر والغلبة التامة والقدرة على التصرف الكلى في أمور العامة بالأمر والنهى وهو الأنسب بمقام الإضافة إلى يوم الدين انتهى ولكل وجوه ترجيح ذكرت في التفاسير فلتطالع ثمة * والوجه في سرد الصفات الخمس كأنه يقول خلقتك فانا اله ثم ربيتك بالنعم فانا رب ثم عصيت فسترت عليك فانا رحمن ثم تبت فغفرت فانا رحيم