الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
130
تفسير روح البيان
على الآباء ولا سيما بعد ذبح البنين مِنْ رَبِّكُمْ من جهته تعالى بتسليطهم عليكم عَظِيمٌ صفة للبلاء وتنكيرهما للتفخيم ويجوز ان يشار بذلكم إلى الانجاء من فرعون ومعنى البلاء حينئذ النعمة لان أصل البلاء الاختيار واللّه تعالى يختبر عباده تارة بالمنافع ليشكروا فيكون ذلك الاختبار منحة اى عطاء ونعمة وأخرى بالمضار ليصبروا فيكون محنة فلفظ الاختبار يستعمل في الخير والشر قال تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ ومعنى من ربكم اى يبعث موسى وبتوفيقه لتخليصكم منهم * والإشارة ان النجاة من آل فرعون النفس الامارة وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة في يوم سوء العذاب للروح الشريف بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في اعمال القدرة الحيوانية لا يمكن الا بتنجية اللّه كما قال عليه الصلاة والسلام ( لن ينجى أحدكم عمله ) قيل ولا أنت يا رسول اللّه قال ( ولا انا الا ان يتغمدني اللّه بفضله ) وفي ذلكم اى في استيلاء صفات النفس على القلب والروح بلاء عظيم وامتحان عظيم بالخير والشر فمن يهده اللّه ويصلح باله يرجع اليه اللّه في طلب النجاة فينجيه اللّه ويهلك عدوه ومن يضلله ويخذله اخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان امره فرطا * ثم في الآية الكريمة تنبيه على أن ما يصيب العبد من السراء والضراء من قبيل الاختبار فعليه الشكر في المسار والصبر على المضار : كما قال الحافظ اگر بلطف بخوانى مزيد الطافست * وگر بقهر برانى درون ما صافست وسنته تعالى استدعاء العباد لعبادته بسعة الأرزاق ودوام المعافاة ليرجعوا اليه بنعمته فإن لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون لان مراده تعالى رجوع العباد اليه طوعا وكرها فالأول حال الأحرار والثاني حال الأغيار * قال داود بن رشيد من أصحاب محمد بن الحسن قمت ليلة فاخذني البرد فبكيت من العرى فنمت فرأيت قائلا يقول يا داود أنمناهم وأقمناك فتبكى علينا فما نام داود بعد تلك الليلة كذا في روضة الأخيار : قال في المثنوى درد پشتم داد حق تا من ز خواب * برجهم هر نيم شب لا بد شتاب تا نخسبم جمله شب چون گاوميش * دردها بخشيد حق از لطف خويش روى أن اللّه تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه أنزلت بعبدي بلائي فدعاني فما طلته بالإجابة فشكانى فقلت عبدي كيف أرحمك من شئ به أرحمك * ومن ظن انفكاك لطفه تعالى فذلك لقصور نظرة في العقليات والعاديات والشرعيات * اما العقليات فما من بلاء الا والعقل قاض بامكان أعظم منه حتى لو قدرنا اجتماع بلايا الدنيا كلها على كافر وعوقب في الآخرة بأعظم عذاب أهل النار لكان ملطوفا به إذ اللّه قادر على أن يعذبه بأكثر من ذلك * واما العاديات فما وجدت قط بلية إلا وفى طيها خير وحفها لطف باعتبار قصرها على نوعها إذ المبتلى مثلا بالجذام والعياذ باللّه ليس كالأعمى وهما مع الغنى ليسا كهما مع الفقر واجتماع كل ذلك مع سلامة الدين امر يسير * واما الشرعيات فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( إذا أحب اللّه عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه وان رضى اصطفاه ) وليخفف ألم البلاء عنك علمك بان اللّه هو المبتلى اما عتبارا بان كل أفعاله جميل أو لأنه عودك بالفعل الجميل والعطاء الجزيل وَ اذكروا