الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

129

تفسير روح البيان

والجملة حال من ضمير المفعول في نجيناكم والمعنى نجيناكم مسومين منهم أقبح العذاب كقولك رأيت زيدا يضربه عمرو اى رأيته حال كونه مضروبا لعمرو وذلك ان فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون وصنف يحرثون ويزرعون وصنف يخدمونه ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليهم الجزية * وقال وهب كانوا أصنافا في اعمال فرعون فذووا القوة ينحتون السواري من الجبال حتى قرحت أعناقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها وطائفة ينقلون الحجارة والطين يبنون له القصور وطائفة منهم يضربون اللبن ويطبخون الآجر وطائفة نجارون وحدادون والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة ويؤدونها كل يوم فمن غربت عليه الشمس قبل ان يؤدى ضريبته غلت يمينه إلى عنقه شهرا والنساء يغزلن الكتان وينسجن وقيل تفسير قوله يسومونكم سوء العذاب ما بعده وهو قوله تعالى يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ كأنه قيل ما حقيقة سوء العذاب الذي يبغونه لنا فأجيب بأنهم يذبحون أبناءكم اى يقتلونهم والتشديد للتكثير كما يقال فتحت الأبواب * والمراد من الأبناء هم الذكور خاصة وان كان الاسم يقع على الذكور والإناث في غير هذا الموضع كالبنين في قوله تعالى يا بني إسرائيل فإنهم كانوا يذبحون الغلمان لا غير وكذا أريد به الصغار دون الكبار لأنهم كانوا يذبحون الصغار وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ اى يستبقون بناتكم ويتركونهن حيات وذكر النساء وان كانوا يفعلون هذا بالصغار لأنه سماهن باسم المآل لأنهن إذا استبقوهن صرن نساء بعد البلوغ ولأنهم كانوا يستبقون البنات مع أمهاتهن والاسم يقع على الكبيرات والصغيرات عند الاختلاط * وذلك ان فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس فأحاطت بمصر وأخرجت كل قبطي بها ولم تتعرض لبنى إسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة والسحرة عن رؤياه فقالوا يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك فامر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن لا يسقط على أيديكن غلام يولد في بني إسرائيل الا قتل ولا جارية الا تركت ووكل القوابل فكن يفعلن ذلك حتى قيل إنه قتل في طلب موسى عليه السلام اثنى عشر الف صبي وتسعين الف وليد وقد اعطى اللّه نفس موسى عليه السلام من القوة على التصرف ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا احياء ولذلك كانت معجزاته ظاهرة باهرة ثم اسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤس القبط على فرعون وقالوا إن الموت وقع في بني إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك ان يقع العمل علينا فامر فرعون ان يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون عليه السلام في السنة التي لا يذبح فيها وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها فلم يرد اجتهادهم من قضاء اللّه شيأ وشمر فرعون عن ساق الاجتهاد وحسر عن ذراع العناد فأراد ان يسبق القضاء ظهوره ويأبى اللّه الا ان يتم نوره وَفِي ذلِكُمْ إشارة إلى ما ذكر من التذبيح والاستحياء بَلاءٌ اى محنة وبلية وكون استحياء نسائهم اى استبقائهن على الحياة محنة مع أنه عفو وترك للعذاب لما ان ذلك كان للاسترقاق والاستعمال في الأعمال الشاقة ولان بقاء البنات مما يشق