الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
125
تفسير روح البيان
راحلته وهو يقرأ واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّها اى الاستعانة بهما لَكَبِيرَةٌ لثقيلة ساقه كقوله تعالى كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ اى المخبتين الخائفين والخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب أو الخشوع بالبصر والخضوع بسائر الأعضاء وانما لم يثقل عليهم لأنهم يستغرقون في مناجاة ربهم فلا يدركون ما يجرى عليهم من المشاق والمتاعب لذلك قال صلى اللّه عليه وسلم ( وقرة عيني في الصلاة ) لان اشتغاله عليه السلام بالصلاة كان راحة له وكان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعبا الَّذِينَ يَظُنُّونَ اى يوقنون لان الظن يكون يقينا ويكون شكا فهو من الاضداد كالرجاء يكون أمنا وخوفا كما في تفسير الكواشي أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ معاينوه وهو كناية عن شهود مشهد العرض والسؤال يوم القيامة وهو الوجه فيما يروى في الاخبار لقى اللّه وهو عليه غضبان وما يجرى مجراه وقيل اى يعلمون انهم يموتون قال النبي عليه الصلاة والسلام ( من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه ) وأراد به الموت وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ اى ويعلمون انهم راجعون يوم القيامة إلى اللّه تعالى اى إلى جزائه إياهم على أعمالهم واما الذين لا يوقنون بالجزاء ولا يرجون الثواب ولا يخافون العقاب كانت عليهم مشقة خالصة فتثقل عليهم كالمنافقين والمرائين فالصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها وهو من اخلاق الأنبياء والصالحين * قال يحيى بن اليمان الصبر ان لا تتمنى حالة سوى ما رزقك اللّه والرضى بما قضى اللّه من امر دنياك وآخرتك وهو بمنزلة الرأس من الجسد : قال الحافظ كويند سنك لعل شود در مقام صبر * آرى شود وليك بخون جكر شود ثم إن اللّه تعالى وصف جزاء الأعمال وجعل لها نهاية واحدا فقال مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وجعل جزاء الصدقة في سبيل اللّه فوق هذا فقال مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ الآية وجعل اجر الصابرين بغير حساب ومدح أهله فقال إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ وقد وصف اللّه نفسه بالصبر كما في الحديث ( ليس شئ اصبر على أذى سمعه من اللّه تعالى انهم ليدعون له ولدا وانه ليعافيهم ويرزقهم ) ووصف اللّه بالصبر انما هو بمعنى الحلم وهو تأخير العقوبة عن المستحقين لها * والفرق بين الحليم والصبور ان المذنب لا يأمن العقوبة في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم * وقيل في الخشوع أتريد أن تكون اماما للناس ولا تعرف الخشوع ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن لكن الخشوع ان ترى الشريف والدنيء في الحق سواء وتخشع للّه في كل فرض افترض عليك فمن اظهر خشوعا فوق ما في قلبه فإنما اظهر نفاقا على نفاق * قال سهل بن عبد اللّه لا تكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسدك وهذا هو الخشوع المحمود لان الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعة فتراه مطرفا متأدبا متذللا وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك واما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان وكان عمر رضى اللّه عنه إذا تكلم اسمع وإذا مشى اسرع وإذا ضرب أوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا