الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
119
تفسير روح البيان
الأول أخشوا في نقض العهد وهذا معناه في كتمان نعت محمد أو لان الخطاب بالآية الأولى لما عم العالم والمقلد أمرهم بالرهبة التي هي مبدأ السلوك وبالثانية لما خص أهل العلم أمرهم بالتقوى الذي هو منتهاه وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ عطف على ما قبله واللبس بالفتح الخلط اى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميز بينهما أولا تجعلوا الحق ملتبسما بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله أو تذكرونه في تأويله وَ لا تَكْتُمُوا الْحَقَّ بإضمار لا أو نصب بإضمار ان على أن الواو للجمع اى لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه فقوله ولا تلبسوا الحق بالباطل هو نهى عن التغيير وقوله وتكتموا الحق هو نهى عن الكتمان لأنهم كانوا يقولون لا نجد في التوراة صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم فاللبس غير الكتمان وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ اى حال كونكم عالمين بأنكم لابسون كاتمون أو وأنتم تعلمون انه حق نبي مرسل وليس إيراد الحال لتقييد المنتهى به بل لزيادة تقبيح حالهم إذ الجاهل قد يعذر * وفي التيسير يجوز صرف الخطاب إلى المسلمين وإلى كل صنف منهم وبيانه أيها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجور وأيها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة وكذا كل فريق * فهذه الآية وان كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم فمن أخذ رشوة على تغيير حق وابطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه اجرا فقد دخل في مقتضى الآية قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( من تعلم علما لا يبتغى به وجه اللّه لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) اى ريحها فمن رهب وصاحب التقوى لا يأخذ على علمه عوضا ولا على وصيته ونصيحته صفدا بل يبين الحق ويصدع به ولا يلحقه في ذلك خوف ولا فزع قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( لا يمنعن أحدكم هيبة أحد ان يقول أو يقوم بالحق حيث كان ) وفي التنزيل يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ - حكى - ان سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أياما فقال هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم قالوا له أبو حازم فأرسل اليه فلما دخل عليه قال له يا أبا حازم ما هذا الجفاء قال له أبو حازم يا أمير المؤمنين واى جفاء رأيت منى قال أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني قال يا أمير المؤمنين أعيذك باللّه ان تقول ما لم يكن ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا انا رأيتك قال فالتفت إلى محمد بن شهاب الزهري فقال أصاب الشيخ وأخطأت قال سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت فقال لأنكم خربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم ان تنقلوا من العمران إلى الخراب قال أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على اللّه تعالى قال اما المحسن فكالغائب يقدم على أهله واما المسيئ فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعري ما لنا عند اللّه قال اعرض عملك على كتاب اللّه قال واى مكان أجده قال إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ قال سليمان فأين رحمة اللّه يا أبا حازم قال إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قال له سليمان يا أبا حازم فأي عباد اللّه أكرم قال أولوا المروة والنهى قال له سليمان فأي الأعمال أفضل قال أداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال سليمان فأي الدعاء اسمع قال دعاء المحسن اليه للمحسن فقال اى الصدقة أفضل قال على