الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
11
تفسير روح البيان
لتصير الكمالات ملكة نفوسهم وذواتهم وفي الحقيقة هذا حمد الحق أيضا نفسه في مقامه التفصيلي المسمى بالمظاهر من حيث عدم مغايرتها له واما حمده ذاته في مقامه الجمعي الإلهي قولا فهو ما نطق به في كتبه وصحفه من تعريفاته نفسه بالصفات الكمالية وفعلا فهو اظهار كمالاته الجمالية والجلالية من غيبه إلى شهادته ومن باطنه إلى ظاهره ومن علمه إلى عينه في مجالي صفاته ومحال ولاية أسمائه وخالا فهو تجلياته في ذاته بالفيض الأقدس الأولى وظهور النور الأزلي فهو الحامد والمحمود جمعا وتفصيلا كما قيل لقد كنت دهرا قبل ان يكشف الغطا * إخالك انى ذاكر لك شاكر فلما أضاء الليل أصبحت شاهدا * بأنك مذكور وذكر وذاكر وكل حامد بالحمد القولي يعرف محموده بإسناد صفات الكمال اليه فهو يستلزم التعريف انتهى كلامه * والحمد شامل للثناء والشكر والمدح ولذلك صدر كتابه بان حمد نفسه بالثناء في للّه والشكر في رب العالمين والمدح في الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ثم ليس للعبد ان يحمده بهذه الوجوه الثلاثة حقيقة بل تقليدا ومجازا اما الأول فلان الثناء والمدح بوجه يليق بذاته أو بصفاته فرع معرفة كنههما وقد قال اللّه تعالى وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً * وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ واما الثاني فكما ان النبي عليه السلام لما خوطب ليلة المعراج بان أثن على قال ( لا احصى ثناء عليك ) وعلم أن لا بد من امتثال الأمر واظهار العبودية ( فقال أنت كما أثنيت على نفسك ) فهو ثناء بالتقليد وقد أمرنا أيضا ان نحمده بالتقليد بقوله قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ كما قال فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ كذا في التأويلات النجمية : قال السعدي قدس سره عطاييست هر موى ازو بر تنم * چه كونه بهر موى شكري كنم وذكر الشيخ الامام حجة الإسلام الغزالي رحمه اللّه في منهاج العابدين ان الحمد والشكر آخر العقبات السبع التي لا بد للسالك من عبورها ليظفر بمبتغاه فأول ما يتحرك العبد لسلوك طريق العبادة يكون بخطرة سماوية وتوفيق خاص الهى وهو الذي أشار اليه صاحب الشرع صلى اللّه عليه وسلم بقوله ( ان النور إذا دخل قلب العبد انفتح وانشرح ) فقيل يا رسول اللّه هل لذلك من علامة يعرف بها فقال ( التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ) فإذا خطر بقلب العبد أول كل شئ ان له منعما بضروب من النعم وقال إنه يطالبنى بشكره وخدمته فلعله ان غفلت يزيل نعمته ويذيقنى نقمته وقد بعث إلى رسولا بالمعجزات وأخبرني بان لي ربا عالما قادرا على أن يثيب بطاعته ويعاقب بمعصيته وقد امر ونهى فيخاف على نفسه عنده فلم يجد في طريق الخلاص من هذا النزاع سبيلا سوى الاستدلال بالصنعة على الصانع فيحصل له اليقين بوجود ربه الموصوف بما ذكره فهذه عقبة العلم والمعرفة استقبلته في أول الطريق ليكون في قطعها على بصيرة بالتعلم والسؤال من علماء الآخرة فإذا حصل له اليقين بوجود ربه بعثته المعرفة على التشمر للخدمة ولكنه لا يدرى كيف يعبده فيتعلم ما يلزمه من الفرائض الشرعية ظاهرا وباطنا فلما استكمل العلم والمعرفة بالفرائض انبعث للعبادة فنظر فإذا هو صاحب ذنوب كما هو حال أكثر الناس فيقول كيف اقبل على الطاعة