الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

101

تفسير روح البيان

تقتضى الاستغراق واقتران قوله كلها يوجب الشمول فكما علمه أسماء المخلوقات علمه أسماء الحق تعالى فإذا كان تخصيصه بمعرفة أسماء المخلوقات يقتضى ان يصح سجود الملائكة له فما الظن بتخصيصه بمعرفة أسماء الحق وما الذي يوجب له ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ اى عرضها اى المسميات وانما ذكر الضمير لان في المسميات العقلاء فغلبهم والعرض اظهار الشيء للغير ليعرف العارض منه حاله * وفي الحديث ( انه عرضهم أمثال الذر ) ولعله عز وجل عرض عليهم من افراد كل نوع ما يصلح ان يكون أنموذجا يتعرف منه أحوال البقية وأحكامها والحكمة في التعليم والعرض تشريف آدم واصطفاؤه وإظهاره الاسرار والعلوم المكنونة في غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده وهو المعلم المكرم آدم الصفي كيلا يحتج الملك وغيره بعلمه ومعرفته وذلك رحمة اللّه التي وسعت كل شئ فَقالَ اللّه عز وجل تبكيتا وتعجيزا للملائكة وخطاب التعجيز جائز وهو الأمر بإتيان الشيء ولم يكن إتيانه مرادا ليظهر عجز المخاطب وان كان ذلك محالا كالأمر بإحياء الصورة التي يفعلها المصورون يوم القيامة ليظهر عجزهم ويحصل لهم الندم ولا ينفعهم الندم أَنْبِئُونِي اى أخبروني بِأَسْماءِ هؤُلاءِ الموجودات إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زعمكم انكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته كما ينبئ عنه مقالكم * ويقال هذه الآية دليل على أن أولى الأشياء بعد علم التوحيد تعلم علم اللغة لأنه تعالى أراهم فضل آدم بعلم اللغة * ودلت أيضا ان المدعى يطالب بالحجة فان الملائكة ادعوا الفضل فطولبوا بالبرهان وبحثوا عن الغيب فقرعوا بالعيان اى لا تعلمون أسماء ما تعاينون فكيف تتكلمون في فساد من لا تعاينون فيا أرباب الدعاوى اين المعاني ويا أرباب المعرفة اين المحبة ويا أرباب المحبة اين الطاعة * قال أبو بكر الواسطي من المحال ان يعرفه العبد ثم لا يحبه ومن المحال ان يحبه ثم لا يذكره ومن المحال ان يذكره ثم لا يجد حلاوة ذكره ومن المحال ان يجد حلاوة ذكره ثم يشتغل بغيره قالُوا استئناف واقع موقع الجواب كأنه قيل فماذا قالوا حينئذ هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه أو لا فقيل قالوا سُبْحانَكَ اى نسبحك عما لا يليق بشأنك الأقدس من الأمور التي من جملتها خلو افعالك من الحكم والمصالح وهي كلمة تقدم على التوبة قال موسى عليه السلام سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وقال يونس سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وسبحان اسم واقع موقع المصدر لا يكاد يستعمل الا مضافا فإذا أفرد عن الإضافة كان اسما علما للتسبيح لا ينصرف للتعريف والألف والنون في آخره لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا اعتراف منهم بالعجز عما كلفوه واشعار بان سؤالهم كان استفسارا ولم يكن اعتراضا إذ معناه لا علم لنا الا ما علمتنا بحسب قابليتنا من العلوم المناسبة لعالمنا ولا قدرة لنا على ما هو خارج عن دائرة استعدادنا حتى لو كنا مستعدين لذلك لأفضته علينا وما مصدرية اى الا علما علمتناه ومحله رفع بدل من موضع لا علم كقولك لا اله الا اللّه إِنَّكَ أَنْتَ ضمير فضل لا محل له من الاعراب الْعَلِيمُ الذي لا يخفى عليه خافية وهذه إشارة إلى تحقيقهم لقوله تعالى إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ الْحَكِيمُ المحكم لمبتدعاته والذي لا يفعل الا ما فيه حكمة بالغة * وأفادت الآية ان العبد ينبغي له ان لا يغفل عن نقصانه وعن فضل اللّه وإحسانه ولا يأنف ان يقول لا اعلم فيما لا يعلم ولا يكتم فيما يعلم * وقالوا لا أدرى