الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
102
تفسير روح البيان
نصف العلم وسئل أبو يوسف القاضي عن مسئلة فقال لا أدرى فقالوا له ترتزق من بيت المال كل يوم كذا كذا ثم تقول لا أدرى فقال انما ارتزق بقدر علمي ولو أعطيت بقدر جهلي لم يسعني مال الدنيا - وحكى - ان عالما سئل عن مسئلة وهو فوق المنبر فقال لا أدرى فقيل له ليس المنبر موضع الجهال فقال انما علوت بقدر علمي ولو علوت بقدر جهلي لبلغت السماء قالَ استئناف أيضا يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ اى أعلمهم بِأَسْمائِهِمْ التي عجزوا عن علمها واعترفوا بتقاصير هممهم عن بلوغ مرتبتها فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ روى أنه رفع على منبر وامر ان ينبئ الملائكة بالأسماء فلما أنبأهم بها وهم جلوس بين يديه وذكر منفعة كل شئ قالَ اللّه تعالى أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والاستفهام للتقرير اى قد قلت لكم انى اعلم ما غاب فيهما ولا دليل عليه ولا طريق اليه وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ تظهرون من قولكم أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الآية وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ تسرون من قولكم لن يخلق اللّه خلقا أكرم عليه منا وهو استحضار لقوله تعالى إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ لكنه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجة عليه فإنه تعالى كما علم ما خفى عليهم من أمور السماوات والأرض وما ظهر لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة علم ما لا يعلمون * وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى من السؤال وهو ان يتوقفوا مترصدين لان يبين لهم وهذه الآيات تدل على شرف الإنسان ومزية العلم وفضله على العبادة لان الملائكة أكثر عبادة من آدم ومع ذلك لم يستحقوا الخلافة وتدل على أن العلم شرط في الخلافة بل العمدة فيها وان آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه اعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فالعلم اشرف جوهرا ولكن لا بد للعبادة مع العلم فان العلم بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة الثمرة فالشرف للشجرة وهو الأصل لكن الانتفاع بثمرتها * وفي حديث أبى ذر رضى اللّه عنه ( حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة وعيادة ألف مريض وشهود ألف جنازة ) فقيل يا رسول اللّه أو من قراة القرآن قال ( وهل ينفع القرآن الا بالعلم ) : قال في المثنوى خاتم ملك سليمانست علم * جمله عالم صورت وجانست علم وفي الحديث ( النظر إلى وجه الوالد عبادة والنظر إلى الكعبة المكرمة عبادة والنظر في المصحف عبادة والنظر في وجه العالم عبادة من زار عالما فكأنما زارني ومن صافح عالما فكأنما صافحني ومن جالس عالما فكأنما جالسنى ومن جالسنى في الدنيا أجلسه اللّه معي يوم القيامة ) وفي الحديث ( من أراد ان ينظر إلى عتقاء اللّه من النار فلينظر إلى المتعلمين فوالذي نفس محمد بيده ما من متعلم يختلف اى يذهب ويجئ إلى باب العالم الا يكتب اللّه له بكل قدم عبادة سنة ويبنى بكل قدم مدينة في الجنة ويمشى على الأرض والأرض تستغفر له ويمسى ويصبح مغفور اله ) * وفي التأويلات النجمية وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها الأسماء على ثلاثة أقسام * قسم منها أسماء الروحانيات والملكوتيات وهي مقام الملائكة ومرتبتهم فلهم علم ببعضها واستعداد أيضا لان ينبأوا بما لا علم لهم به فان الروحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا * والقسم